
تحقيق / غازي العلوي
يافع.. حيث للشعر جنون السحر.. وللفن نكهة البن اليمني الأصيل، وحيث منجم الشعر والأدب والفن، الذي يزخر بموروث ثقافي وفني له أسلوبه الخاص ولونه المتميز وقاموسه الفريد، وفي يافع كوكبة من أعلام الشعر والغناء.. منهم من اشتـهر، ومنهم من ضاع في زحمة الحياة.
وللشعر والغناء تأثير السحر على جمهوره في يافع خصوصاً، وعلى مستوى البلاد عموماً، حيث يلعب الشعر والغناء في يافع دوراً بارزاً في تكوين الوعي الثقافي والوطني ويجسد الانتماء الإنساني للأرض والمجتمع.
ويافع اسم له مدلوله الثقافي، والتاريخي، والإنساني في اليمن.. يحشد في الذاكرة عديد صور متراصة ويافعة في أصالتها وحيويتها وديمومتها من العمارة مروراً بالشعر والشعراء وفنون الغناء والزوامل وروعة الشموخ اليماني المبهر، فثمة إباء يماني شاخص في ملامح أبناء يافع المكتظة بالرجولة والشجاعة والكرم.
يافع.. المترامية الأطراف، والتي كانت ضمن مناطق الأطراف قبل الوحدة، عانت الأمرين من التشطير، (الحرمان والبؤس)، ودفعت فاتورة الصراع بين نظامي الشطرين زمناً ليس بقصير.
* إقليم منثور على محافظتين :
جغرافياً.. تترابط يافع فيما بينها بسلسلة جبلية موزعة الاتجاهات، ومناخها بارد قارس، وتتناثر قرى يافع على سفوح الجبال وسهول الوديان، وهي إقليم يحتل مساحات شاسعة من محافظتي لحج وأبين المترامية الأطراف، وتقع شمال شرق محافظة لحج وشمال محافظة أبين.
موطن الحميريين.. سبأية الهوى وتذكر كتب التاريخ أن يافع هي الموطن الأول للحميريين قبل نزوحهم إلى موطنهم الجديد، وتنسب يافع إلى مالك بن زيد بن رعين الحميري (المرجع تاريخ القبائل اليمنية)، وجاء في نقش النصر الذي سجله الملك السبئي (كرب أيل وتر): "أراضي يافع هي إحدى الأراضي التي دمر مدنها وقراها".
وكانت يافع في بادئ أمرها تابعة للدولة الأوسانية والمعروفة باسم (دهس)، وعرفت بأنها كانت من أعظم القبائل العربية وأصعبها مراساً، وتاريخ اليافعيين حافل بالحوادث الجسام، ويعد الملك (شهاب بن سراج اليافعي) أشهر ملوك يافع، وكانت قبائل يافع في طلائع جيوش الفتوحات الإسلامية.
* إقليم السلطة العفيفية :
وفي التاريخ الحديث كانت يافع إقليم السلطنة (العفيفية) الشامخة على (جبل القارة)، والذي يقع بين مفترق طرق القبائل المنتشرة في إقليم يافع العليا والسفلى، كما أن السلطنة (القعيطية) في حضرموت تعتبر امتدادا ليافع.. وكذلك سلطنة (العيدروس) في لحج.. حيث تعود إليها جذور أولئك السلاطين.
* مكاتب ومجمع القبائل :
وتنقسم يافع إلى قسمين، يافع العليا ويافع السفلى. والعليا (يافع بني مالك)، فيما (يافع بني قاصد) هي السفلى، وكانت يافع تتبع السلطنة الهرهرية (هرهرة) كما كانت يافع العليا تضم خمسة مكاتب (لبعوس، الموسطة، الضبي، المفلحي، الحضرمي) وليافع السفلى خمسة مكاتب (السعدي، اليهري، اليزيدي، الكلدي، الناجي). وجميع المكاتب (مجموع القبائل) لها مرجعية واحدة، هو السلطان العفيفي في جبل (القارة)، الواقع عند منتصف ممرات طرق كل قبائلها وقراها.
وكانت يافع أشبه بدولة مستقلة لها علم وشعار في عهد السلطان العفيفي، الذي رفض الدخول ضمن اتحاد إمارات الجنوب العربي، ليتعرض في نهاية خمسينيات القرن الماضي لقصف بطائرات الاحتلال الانجليزي، ما دفعه للجوء إلى شمال اليمن الذي كان خاضعاً لحكم الأئمة، وبالتحديد إلى تعز.
واعتبرت ثورة أكتوبر 63م في جنوب البلاد السلاطين والسلطنات الجنوبية من مخلفات الاحتلال، وتم القضاء عليها ونفي رجالها ورموزها خارج اليمن.
* جبل القارة :
يبلغ ارتفاع جبل القارة ـ الذي يعتبر من أهم المعالم الجغرافية والتاريخية ليافع ـ حوالي600 متر تقريباً، وعلى ذلك الجبل الشامخ يقع مركز حكم السلطان العفيفي (القارة) المتميز بالمباني ذات الطابع الحميري الفريد من نوعه، وترتفع بعض قصوره إلى ستة طوابق، وشيدت جدرانها وسقوفها بالأحجار البيضاء (الرخام)، التي ما تزال قائمة حتى الآن دون أن تتأثر بعوامل الطبيعة، باستثناء بعض القصور التي تعرضت للقصف الجوي من قبل طائرات الاستعمار الإنجليزي.
وتعد (القارة) من أهم المعالم الأثرية بمنطقة يافع وأشهرها، وتعتبر متحفاً طبيعياً فريداً، من حيث الطبيعة الخلابة التي تمثل آية في الجمال، نظراً لموقعها الاستراتيجي الجذاب وطابعها المعماري (الحميري) الفريد في مبانيها (منازل- مساجد- أضرحة- صهاريج- مدافن وقصور).
تضاريس قاسية.. وطرق حجرية وأعطاها موقعا ذا أهمية عظيمة عند قبائل يافع، حيث تعد محوراً للمكاتب( مراكز مشائخ القبائل بيافع)، وجميع تلك المكاتب (التي هي مجموعة من القبائل) تأتي عبر الطريق المؤدي إلى جبل (القارة)، وكل تلك الطرق مرصوفة بالأحجار ومدعمة بالجدران الساندة العملاقة ليسهل مرور الخيول والبغال والجمال، وتلتقي كل الطرق في جبل (الجراشة) الواقع شمال (القارة)، ومن ثم يبدأ الصعود بسلم (القارة) الحجري، إلى حيث الدخول من بوابتها الشهيرة (سدة القارة).
* جبال مقدسة!؟ :
وتحيط بيافع جبال شامخة، وعلى رؤوس تلك الجبال بقايا آثار أكد المؤرخون بأنها كانت قديماً جبالاً مقدسة، حيث أقيمت معابد آلهة اليمنيين القدامى، مثل (جبل كساء، جبل العر، جبل ثمر "هو أعلى جبال يافع"، جبل اليزيدي، والجبل العلي). فيما يمر بالمنطقة عدد من الأودية، أشهرها (وادي ذي ناخب، وادي حطيب، وادي يهر، ووادي بنا).
- خصوبة أرض.. وحواضر مدن وتشتهر أراضي يافع الخصبة بزراعة البن والقطن في المناطق الساحلية، إضافة إلى بعض الفواكه والخضروات والحبوب والتي لا تكفي اليوم للاستهلاك المحلي.
وتعد مدينة (بني بكر) شمال يافع من أكبر مدنها، يليها مدينة (حلاقة)، فيما مدينة (لبعوس) هي عاصمة يافع، وهي أحدث مدنها من ناحية العمارة والنشاط التجاري.
أما مدينة (قنداس) فهي عاصمة (يهر)، وتقع على وادي يهر الذي يعد من أجمل الأودية في منطقة يافع من حيث الخضرة، إضافة للمباني الهندسية الفاتنة، والتي جمعت الأصالة بالمعاصرة، وفي منطقة الموسطة تقع مدينة (المحجبة)، التي كانت عاصمة لسلطنة (هرهرة) بيافع العليا، وفيها يوجد قصر السلطان صالح بن أحمد هرهرة.
* موسم الشعر في لبعوس :
أشبه بسوق عكاظ.. فيه يلتقي الشاعر مع جمهوره بشكل مباشر في مهرجان ينظم ن كل عام لإلقاء ما تجود به قريحته من زوامل وقصائد شعرية. وفيه يدور جال بالشعر والزوامل.
ويقام المهرجان كل عام عقب عيد الاضحى المبارك ويستمر أسبوعاً كاملاً زوامل شعبية، قصائد شعرية غنائية، وسياسية، واجتماعية، وشعبية) يتبارى فيه فحول الثقافة والأدب والشعر والفن في يافع.
* نكهة التقاليد اليافعية :
ومن عادات وتقاليد هذه المنطقة الفاتنة حفاظها على عاداتها وتقاليدها لمميزة عن بقية المناطق، فأعراس أبناء المنطقة لها نكهة خاصة، وقد تتشابه مع بعض المناطق، حيث يتحمل العريس تكاليف الفرح في منزله، ومنزل عروسه بما فيها تكاليف المطبخ ومخاسير (الخدم).. الخ، فيما تكتفي أسرة العروس بتزويد عروستهم بالحلي والجواهر، وحيث تقام احتفالات العرس، يظل
العريس يعمل دون استـراحة، يشاركه كل المدعوين من المنطقة أو من، وتحرم عادات المنطقة قبول (ضيافات) أو (رفده) من قبل الضيوف المشاركين، حتى في مناسبات العزاء أو في حفلات المواليد، إذ يحتفل أبناء منطقة يافع بمواليدهم الذكور دوناً عن الإناث، وتتكبد أسرة أم (المولود) تكاليف حفلة الغداء في منزل الزوج (المشتملة على مؤن المطبخ) حيث ينقلها والد الأم إلى منزل زوج ابنته لعمل حفلة غداء كبيرة، وتلك العادات تكشف كرم أبناء يافع.
* أصالة الفن المعماري :
تصاب بالدهشة وأنت تمر بين قرى ذات طابع هندسي وكأنها مدن صغيرة مشيدة المباني بتصاميم هندسية فاتنة، جمعت بين الأصالة والحداثة، فمباني منطقة يافع (دور) تتميز بشكلها الأصيل ذي النمط الحميري، رغم حداثة التقسيم الداخلي والأثاث، نتيجة تحسن الأحوال المعيشية لمعظم أبناء يافع المغتربين في الخليج وأوروبا وأميركا وكندا، والذين يشكلون 90 في %، من سكان المنطقة، يتنافسون على إنشاء المباني من طابقين إلى ثلاثة إلى ستة طوابق بتكاليف باهظة، غير أنهم حولوا تلك المساحات النائية إلى قرى ومدن فاتنة ومدهشة، جعلت يافع المنطقة المتفردة والمتميزة بتلك التصاميم على مستوى مناطق ومدن اليمن .
د .عمر عبد العزيز
كان توقيتاً مناسباً لمعرض الفنان المعروف مظهر نزار,, والذي تم في مدينة الشارقة بالترافق من برنامج " حوار الفكر " الذي تنظمه دائرة الثقافة والإعلام بحكومة الشارقة.. وقد جاء التوقيت بالتصادف مع الاحتقانات السياسية والثورة المشتعلة في اليمن والمنطقة العربية , وبدا الخيار الفني الجمالي التاريخي للفنان بمثابة رد ضمني على الموبقات, ذلك أن الأشخاص زائلون والأوطان باقيـة, وإن ما جرى ويجرى من أزمات في اليمن ليست إلا عوابر أمام شوامخ التاريخ وحكمة الجغرافيـــا.
قدم الفنان مظهر نزار رؤية فنية دلاليـة من خلال محاضرة مختصرة حول عبقرية العمارة التاريخية اليمانية.. ودلل على ما يذهب إليـه بعرض عشرين لوحة من أجمل أعمال الرسم بالألوان المائيـة التي اشتهر بها الفنان وأنجز بواسطتها ملحمة فنية بصرية للمدن اليمنية خلال عقدين ونيف من الزمن. وكان الحضور النوعي من العرب واليمانيين منبهراً.. وكأنهم يكتشفون عبقرية تلك الصروح لتوهم والساعة , وكانت مفردات الفنان الكلامية والبصرية تنساب في آذانهم وامام أعينهم وهو يحدثهم عن سر عشقه الدائم لهذه العمارة المترافقة مع البيئة اليمنية. والمترجمة لأسرارها.
تحدث عن كنه الألوان المائية , وكيف تسمح له بالتحليــق بعيداً في الخيال, وقال إن صنعاء القديمة مدينة تجعل أي فنان يشعر بأنها مشروع عمر فني بكامله.. وعبر عن إحساسه بالتجدد الدائم وهو يوازي التكوينات الثابتة للبيئة اليمنية بالانسيابات البصرية الإيحائية المتنوعة.. وأشار أيضاً إلى علاقة العمارة التاريخية بالوسط المحيـط.. مستعيـداً عبقرية الأسلاف الكبار الذي قدموا لنا مثلاً شاملاً في هذه العمارة, مما انعكس على فلسفة الحياة والفسحة والتوازن.
قلنا إن الفنان اليمني المخضرم مظهر نزار أحسن صنعاً عندما قدم معرضه التشكيلي المترافق مع برنامج " حوار الفكر " وكأنه يستبق مزاج الحاضر الملغوم المأزوم, برؤية تاريخية تعيـد إلى الأذهان ما كان من حكمة الأسلاف, فالمعرض المترافق مع محاضرة لا تكمن أهميتة في النص البصري الرفيـع, بل أيضاً في التوقيت الدال الذي يخرجنا من مربع الأزمة إلى فضاء التأمل.
في اللوحات التي عرضها الفنان نتجوّل مع إيقاع الألوان المائية التي قدمت مزايا المُعالجات البصرية الواقعية التعبيرية .. تلك المعالجات التي أضحت سمة عامة في الفن التشكيلي اليمني المعاصر, فقد تبحر الفنان في الاشتغال على التكوين والتضادات اللونية, وجماليات البُعد الثالث, وصولاً إلى استنفاد ثنائية الضوء والظل الذي تمرأى أفقيـاً وراسيـاً في أساس الأبعاد القزحيـة لألوانه البهيـة.
كان الاشتغال على النص البصري المعقد للعمارة اليمنية موصولاً بدربه وصبر مديدين, وهذا ما يتميز به الفنان " مظهر " الذي يقف على المشاهد رائياً للعام والخاص في آن واحد, وبهذا المنطق الفني يسمح لنفسه بالتحليق في التفاصيـل دونما إقامة جامدة في النزعة التسجيلية المُفارقة لتلك التفاصيـل.. وقد لاحظ الحضور المتذوق كيف أنه يجيد التناص بين التسجيلي والتعبيري, بالترافق مع التناص المرئي الواقعي والامرئي النابع من دواخل الفنان, ليؤكد مجدداً أن ما بين الواقعي المشهود والتاريخي الموروث صلـة لا تنفصم عراها.
لقد شكل المعرض الفني الذي أقامه الفنان مناسبة لاستجلاء ذلك البُعد التاريخي المتوهج في مدى الزمان والمكان, بل والتباعد الإجرائي عن عاديات الأيـام وخبرائها.
عارف الشماع
ملحان إحدى مديريات محافظة المحويت التي تقع إلى الجنوب الغربي من مديرية المحويت وهي تتربع على سلسلة جبال سراة وتنشر مفاتنها الطبيعية والجمالية في لوحة إبداعية صنعتها القدرة الإلهية..منذ الوهلة الأولى التي تطأ فيها قدماك أرضها ستتيقن بأنك في مكان خاص في بلاد العربية السعيدة حيث الطبيعة فيها تغازل القلوب والأفئدة، والأودية ترسل ذبذبات الغرام على موجات الجمال والشوق والحب للطبيعة التي خطتها أنامل الإبداع الرباني.
الطريق إلى ملحان تعتلي بك رويداً رويداً لتقرب من نسمات الهواء الطلق الذي يشفي السقيم وينعش الذاكرة لترتسم في مخيلتك صورة جمالية غاية في الروعة. ولعل الوصول إلى الجبال التي هي على شكل أصابع اليد قد أصبح سهلاً بفعل الطرق التي بدأت تنفض غبار العزلة التي عاشتها ملحان دهوراً عديدة.
ملحان قصة حب مع الطبيعة لا تنتهي فهي لاتزال فاتنة لم تفض بكارتها بعد، كيف لا وهي إشراقة الروح ونور القلوب وجنة عشاق الطبيعة، ولعل التنوع الهائل لمناظر الطبيعة والجمال في ملحان، والذي يتأرجح بين الجبال المكسوة بأشجار الصنوبر والسفوح التي تزدان بشجيرات متنوعة نادرة الوجود، إلى جانب المعالم الأثرية والتاريخية هو ما يجعل السياحة في ملحان ذات مذاق خاص وفريد.
“ الجمهورية ” أجرت هذا الاستطلاع وخرجت بالحصيلة الآتية : مديرية ملحان من المناطق السياحية الجميلة في محافظة المحويت من حيث مرتفعاتها ومدرجاتها الزراعية وحصونها التاريخية.
ملحان : ”بكسر الميم وسكون اللام” إحدى مديريات محافظة المحويت، وتقع في الجزء الغربي منها على قمة جبل شامخ العلو في ارتفاعاته الشاهقة، وتتميز ملحان بطبيعة جبلية عجيبة وبديعة، إلى جانب ما تزخر به من المواقع الكثيرة والآثار الهامة مما يجعلها تعد من أهم المناطق اليمنية من الناحيتين الأثرية والسياحية، حيث تشكل هذه المديرية محمية سياحية متكاملة للسياحة الطبيعية والبيئية والأثرية.
العسوس في ملحان
تقدر مساحة المديرية بـ320كم مربعا يحدها من الشمال مديرية حفاش ومن الجنوب مديرية الضحي، محافظة المحويت ومديرية بني سعد ومن الغرب مديريتا الزيدية والمغلاف محافظة الحديدة وتتكون المديرية من 20عزلة هي “ الروضة، قبلة ملحان، الشجاف، الشمارية، العصافرة، باحش، بني علي، بني مليك، المعازية، همدان، هباط العمارية، بدح، جيع، الشماسنة، الشعاب، العسوس، بني وهب، الغزاونة، بني العصيفري ” ويقع مركز المديرية في محل بني حجاج عزلة الروضة ويقدر عدد سكان المديرية بموجب تعداد 2004م حوالي “89.224” نسمة، ويعتمد معظم السكان على النشاط الزراعي وتربية الثروة الحيوانية والنحل.
لماذا سمي ملحان ؟
يسمى جبل ملحان "ريشان" نسبة إلى رشا وهو الحبل الخاص بدلو الماء فهناك جبل يسمى “المركع” كان لا يصعد إليه إلا بواسطة الحبل “الرشا” إلى عهد قريب جداً حيث تم شق خط للمشاة والدواب في الثمانينيات، وسمي بملحان نسبة إلى رجل من حمير، قيل من أقيالها وهو ملحان بن عوف بن مالك بن زيد بن سد بن زرعة وينتهي نسبه إلى حمير الأصغر.. ولملحان ابنان أحدهما ريب والآخر مالك، لايزال اسم مالك يطلق على حصن في جبال ملحان يقال له قرن مالك، وقد تكلم المؤرخون عن ملحان وعن مآثره في العديد من الكتب التاريخية والمراجع القديمة، حيث أورد لسان اليمن أبو الحسن الهمداني ذكر ملحان في كتابه صفة جزيرة العرب، والإكليل في أكثر من موضع وعده من الجبال، ومن الحصون المنيعة الشهيرة في جبال السراة ومنها ريشان أي ملحان، واعتبره من الجبال التي في رؤوسها المساجد الشريفة في اليمن حيث قال:
ريشان هو جبل ملحان بن عوف بن مالك بني على سفحه مسجد يعرف الآن بالصفة جامع رأس جبل شاهر والمتواتر لدى الناس أنه بني على يد أحد الصحابة الكرام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
ملحان في كتب التاريخ
عند ذكر الهمداني للمسنمة من الجبال ذكر منها جبل ملحان وعده أيضاً من الجبال التي في رؤوسها الآبار والمساني، وهو جبل حفاش وجبل ذخار “كوكبان” وأنه من الجبال التي يرى وينظر منها مسيرة خمسة أيام وهو ذخار كوكبان وعلى هذا فقد تفرد ملحان على بقية الجبال بالسراة بمميزات عدة نذكر منها أنه من الجبال المسنة دون ذوات الطفاف والثانية كونه من الشوامخ التي في رؤوسها المساجد الشريفة، وهي تسعة في اليمن، منها رأس جبل ملحان شاهر.. والثالثة أنه من الحصون المشهورة ومن الجبال التي ينظر منها عن مسيرة خمسة أيام بالعين المجردة لشموخه وعلوه عن سطح البحر، قال الهمداني عن مآثر جبال السراة:
وفي هذا النهج من المساجد الشريفة ثم عددها مبتدئا بمسجد معاذ بن جبل في الجند إلى أن قال: ومسجد شاهر في رأس جبل ملحان، وشاهر قرن أي حصن في رأس جبل ملحان فيه تسع وتسعون عيناً من الماء وهو مسجد شريف وعلى كل حال فإن جبال ملحان لها ذكر في كتب التاريخ حتى المؤرخون ذكروا أن الملك سيف بن ذي يزن حين تغلب على الأحباش تحصن بجبل ملحان وكانت له رئاسة حمير، وهنالك وادي في ملحان اسمه وادي سيف وحصن يسمى حصن قرن سيف نسبة إلى الملك سيف.
قال ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان :(وملحان من معاقل العرب في الجاهلية والإسلام) والحال أن جبل ملحان واسع مترامي الأطراف ومتسع، كثير الشعاب والوديان والغابات متنوع النباتات والأشجار، وبأرضه خصوبة عالية، وفي أهله ذكاء فطري ويكثر في ملحان الغيول والعيون والشلالات، خاصة أثناء مواسم الأمطار ومعظم الغيول والعيون تنبع من جوانب أصل جبل شاهر المتدفقة في عزل باحش وبني شعيب والشرقي وبني وهب وحبش القبلة وغيرها حيث منبع الجميع ملحان والتاريخ والعلم.
أعلام ملحان
يقول الباحث عبداللطيف السودي: ملحان برغم حالة الجهل والتخلف الذي ساد الأمة جميعاً ومنها ملحان وبرغم التضاريس ووعورة المسالك التي تكاد تنفرد بها جبال ملحان إلا أن أسلاف سكان ملحان وأبناءه لم يقفوا بمعزل مكتوفي الأيدي عاجزين؛ فقد أثروا وتأثروا عبر الأجيال والقرون كلها ولم تكن الحواجز الجغرافية عائقة لهم يوماً ما عما ينشدون رغم المتاعب والعوائق والمشاق فقد قهروا الطبيعة القاسية بشدة بسبب قوة التحمل والعزيمة التي يملكونها، لقد كانوا يرحلون مشياً على الأقدام إلى هجر العلم ومعقل العرفان في مكة وزبيد وبيت الفقيه والزيدية وصنعاء وغيرها من مدن العلم والعلماء فينهلون من منابعها الصافية عذباً فراتاً، وقد حفلت كتب التاريخ بذكر بعض من نبغ وأهملت الكثير ممن نبغ وتفوق واشتهر بالعمل في سائر الفنون والعلوم من أبناء ملحان وسنورد في هذا العجالة ذكر بعضا ممن ذكره المؤرخون وأصحاب الطبقات. ففي القرن الرابع والخامس والسادس الهجري نبغ من أهل ملحان العديد من العلماء والفقهاء والأدباء فمن أولئك إبراهيم بن محمد بن إسحاق الملحاني ذكره الخزرجي وصاحب كرامات الأوليات في جامعه وقال صاحب طبقات الخواص إنه كان مستجاب الدعوة وكان يسكن جبلاً يسمى الدوام وهو من قوم يسمون بني إدريس والجبل مشهور بهذا الاسم في عزلة جبع.
قُرّاء ونحويون بملحان
ويواصل الباحث عبداللطيف السودي عن أعلام ملحان بقوله: وممن نبغ من أبناء ملحان في علم القراءات وتخرج على يديه جماعة من العلماء المحققين في علم القراءات المقرىء الشيخ الجليل وجيه الدين عبدالرحمن بن هبة الله ابن عبدالرحمن العبسي الملحاني كان عالماً جليلاً مقرئاً نحوياً ..قال عنه البريهي: أخذ القراءات السبع عن جماعة من الأكابر منهم المقرىء الشارفي جمال الدين محمد بن يحيى بن محمد الهمداني كما اخذ النحو وعلوم اللغة عن جماعة من أئمة وقته ومشائخ عصره وشارك فيما سواه من العلوم كان يشغل منصب الإمامة بمدرسة الأشراف بتعز عاصمة الدولة الرسولية واشتغل أيضاً بالتدريس فيها وانتفع به خلق كثير وتخرج على يديه جماعة من الطلاب وكان يقرض الشعر ويجود فيه وأكثر شعره في الرقائق والابتهالات إلى الله عزو جل.
ومن ذلك ما أورده البريهي في تاريخه قال الملحاني متوسلاً:
أنا في أمانك يا حفيظ الورى ملتزم متمسك متوكل
ومفوض أمري إليك ولا جئ لك خاضع لك ضارع متذلل
بك واثق يا عدتي في شدتي لائذ لك مخبت متململ
أعني وحطني واحمني وأعزني وتولني لا عن جلالك أهمل
وأمدني بالنصر منك ونجني مما تحاربه العقول وتذهل
وغير ذلك من الأشعار الرائعة وقد توفي الملحاني رحمه الله 815هـ بمدينة تعز ودفن بها وممن نبغ في الفقه واشتهر بالعبادة والعمل من أبناء ملحان الفقيه الشيخ بدرالدين بن علي ابن عبدالرحمن الملحاني قال عنه البريهي: قرأ على جماعة من أهل العلم منهم القاضي شرف الدين المقرىء في الفقه وعلى الإمام نفيس الدين العلوي والشيخ أحمد الرداد قال (وكان فقيهاً مدرساً وكان راتبه أن يختم كل ليلة ختمة) وكان يقول الشعر ويجود فيه منه ما قاله وكتبه ولده أحمد:
فإني جهدت ليالي الشباب ومن يعشق العلم قد يحمد
نهاري في العلم مستعمل وفي الليل جفني لا يرقد
فقهاء وأدباء
وقال الباحث السودي في هذه الأبيات إنها تحفل بالنصائح الذهبية وتحث على العلم بأسلوب أخاذ ولغة فصيحة وعبارات سلسة واضحة تنم عن تجربة وخبرة بالحياة ويواصل بقوله ومن أعلام ملحان العلامة أحمد بن الشيخ بدرالدين حسن ابن علي بن عبدالرحمن الملحاني كان فقيهاً ومنهم الشيخ الجليل عبدالرحمن بن حسن بن الكميت السودي (المدفون في القناوص) كان فقيهاً جليلاً أديباً عاقلاً لبيباً كريماً شاعراً توفي في أثناء القرن التاسع ومن أعلام ملحان الفقيه الإمام الشيخ حسام الدين بن أبي بكر الحسين السودي المقبور في قرية المحارث من عزلة القبلة مديرية ملحان كان إماماً كبيراً وعالماً جليلاً وفقيهاً محققاً قال الخزرجي كان للعامة اعتقاد فيه عظيم وكان ينكر على الصوفية السماع وكان مشهوراً بصداقته للإمام محمد مطهر صاحب صعدة فوشوا به إلى السلطان المجاهد بأنه يناصر أئمة الزيدية فكتب المجاهد إلى والي المهجم أن يقبض عليه ويشخصه إلى تعز أو زبيد فكان لا يستقر ببلد تصله سلطة السلطان الرسولي. سكن الجبال وتوفي رحمه الله في 705م بقرية المحارث وادي حمى القبلة ودفن بها وله عقب ذرية في ملحان كثير كبني عبدالرحمن السودي وبني عبدالغفور في حمى وبني الحسيني بالأعراف من عزلة الشرفي وبين صارم الدين بقرية المعبر من عزلة بين مكارم وبني الكبري بن لطف الله بن صلاح السودي بقرية المابول من عزلة العصافرة وبني المصعب من العصافرة وفقهاء رباط شعر بني الزاوية عزلة همدان وغيرهم كثير من ملحان ومن أعلام ملحان الفقيه المحدث يوسف بين حسن الكميت السودي المقبور في هجرة جهش كان عاملاً محققاً وفقيهاً فرضياً وهو صنو عبدالله حسن الكميت المعروف بحامي الحمى ومنهم الفقيه محمد حسن السودي المسمى ساكن البشامة وهو جد فقهاء جهش وبني الساكت وفقهاء جبل المنابر وغير هؤلاء كثير ممن نبغ واشتهر بالعلم من أبناء ملحان.
أربطة علمية إندثرت
قال الباحث السودي: لا أدل على اهتمام أسلاف أبناء ملحان بالعلم والأربطة العلمية لاستقبال الطلاب الوافدين والعناية بهم وتعليمهم ورغم أنها اندثرت بسبب عوامل الجهل والزمان إلا أن أسماءها ما زالت إلى الآن شاهدة على ما كان لها من دور على ما كان ومن تلك الأربطة الباقية مسمياتها إلى الآن:
رباط شعر من عزلة همدان ويسمى رباط الزاوية.
رباط علي جوف من عزلة همدان
رباط بارق المطر من عزلة بني وهب
رباط السادة من عزلة بني مكار
رباط الهجرة في منطقة جهش قبلي ملحان
هجرة المحارث من وادي حمى قبلي ملحان
هجرة الأعرف من عزلة الشرقي
هجرة الصارم من المبعر عزلة بين مكار
هجرة بارق المطر
هجرة العجل في برع من العصافرة.
هجرة المعقرية نجم الدين من عزلة جبع، وغيرها كانت أربطة لطلاب العلم ورواد المعرفة ونشر الثقافة ومن الأسر العلمية المشهورة بالعلم والفقه والعبادة في ملحان أسرة بني السودي وأسرة بني الزيلعي وقد اندثرت هذه الأربطة حالياً.
حصن شاهر
يقع حصن شاهر في أعلى قمة جبل ملحان على ارتفاع نحو “3000” متر عن سطح البحر وذلك في منطقة شديدة الوعورة وبالغة الارتفاع ويتكون هذا الحصن من ساحة مكشوفة عليها بقايا أبنية حجرية مهدمة في الجهة الشرقية بها أحجار كثيرة مربعة الشكل ومنفصلة عن بعضها البعض وفي الجهة الجنوبية من الحصن توجد بقايا الأبنية الخاصة بالمسجد الشريف الذي ذكره الهمداني في كتابه “صفة جزيرة العرب” أما في الجهة الشمالية من الحصن فتوجد كتل معمارية مربعة الشكل تسمى بتربة علي عيسى ويحتل الجزء الأكبر من قمة الحصن ساحة مستطيلة على هيئة مسطبة للخيل والدواب، استخدمت في فترة لاحقة مكاناً لصلاة الاستسقاء ويتخلل الطريق الواقعة بين حصن شاهر وحصن الخضيع بقايا لمبان كثيرة مهدمة وجروف صخرية بها مقابر قديمة ترجع إلى فترة ما قبل الإسلام.
حصن الصباحي
يعد حصن الصباحي أحد الحصون المنيعة والمحكمة والعسيرة المرتقى الموجودة في ملحان، ويسمى بجبل الطوق بن الصباح الحميري، وهو حصن منيع يطل على تهامة استخدم في العهد الرسولي وما قبله كقلعة حربية لصد الغزاة.
حصن الخفيع
ورد ذكر حصن الخفيع في العديد من المصادر التاريخية بأنه واحد من الحصون المنيعة والمحكمة والتي كان بها العديد من المعاقل والحصون والمساجد المشيدة في أعلى القمم وبأنه استخدم كمركز للحاميات العسكرية العثمانية وقد تعرض الكثير من معاقل ومباني هذا الحصن إلى التدمير في العقد الرابع من القرن الرابع عشر الهجري من قبل الإمام/ يحيي حميد الدين كما تشير بعض المصادر وذلك بأن أهل ملحان تذمروا على الإمام يحيى حميد الدين مما اضطره إلى مهاجمتهم وتدمير معظم المعاقل والحصون والمساجد الأثرية هناك، وبشكل عام فإن هذا الحصن الذي يقع في الناحية الشمالية من حصن شاهر لا تزال الكثير من مبانيه ومكوناته المعمارية موجودة حتى الآن وأهمها السور الذي يحيط بساحته الواسعة ثم المسجد الموجود في الناحية الشمالية الغربية من الحصن والعديد من المباني والكتل المعمارية المكونة من طابقين والمدخل الرئيسي للحصن والذي يفتح من الجهة الغربية ومما يميز هذا الحصن تخطيطه المعماري الجميل والذي يوحي بأن تجديدات متلاحقة قد أضيفت إليه لا سيما بعد حملة الهدم التي تعرض لها من قبل عساكر يحيى حميد الدين كما تشير المصادر التاريخية.
حصن اليماني
يقع في نطاق عزلة الشمارية، في موضع يعرف باسم “رهقة” إلى الغرب من حصن “عكيبر” وقد بني الحصن في أعلى قمة جبلية طبيعية تشرف على وادي بني مليك وبيت السريحي وعتمة، يتم الوصول إليه عبر طريق صاعد مرصوف بالحجارة في الناحية الشمالية الشرقية من خلال مدخل منكسر يصل إلى ساحة تتوسط الحصن، أهمها مبنى مربع الشكل في الناحية الغربية يمثل المسجد، وفي الناحية الشمالية منه توجد بركة غير مستوية الشكل مبطنة بالحجارة والقضاض، وفي الناحية الجنوبية من الساحة هناك بقايا أساسات يبدو أنها تمثل الجزء الرئيس في الحصن وبجانبها توجد بركة أخرى مبطنة بالحجارة والقضاض عليها زخرفة بارزة بالقضاض عبارة عن نجمة ثمانية.
حصن قرن سيف
يقع في الناحية الغربية من مركز بني الحجاج في قمة جبل قرن سيف يشرف على عدد من القرى، يحتوي على بقايا سور من أحجار صلدة غير مستوية تتخلله فتحة المدخل في الناحية الشمالية وأبراج دفاعية مربعة الشكل، يتوسط السور من الداخل بقايا أساسات لمبان مهدمة غير واضحة، إضافة إلى ثلاث برك لخزن المياه مبطنة بالحجارة والقضاض أهم ما يميز الحصن وجود نفق محفور في الصخر يقع في الناحية الشرقية ويؤدي إلى خارج الحصن.
حصن الشرف
شيد في أعلى جبل الشرف يقع ضمن السلسلة الجبلية المحيطة بوادي بني مليك، وهو عبارة عن بروز صخري شاهق الارتفاع مما يعطي اسمه دلالة كونه يشرف على الوادي والقرى المجاورة له، ومعمارياً فهو عبارة عن برج دفاعي مربع الشكل بني بأحجار صلدة مهندمة يتألف من ثلاثة أدوار يتخللها مزاغل وفتحات للرماية، يتم الصعود إليه من الناحية الشمالية عبر درج مرصوف بالحجارة، وفيما يبدو أن هناك تجديدات طرأت على هذا المبنى في فترات متأخرة من العصر الإسلامي.
حصن عكيبر
ويقع في أعلى مرتفع صخري شاهق مطل على مركز بني الحجاج وسوق الخميس ويتألف من مجموعات معمارية عديدة، إضافة إلى بقايا لمبان مهدمة وشفافات متناثرة من الفخار موجودة في الجهة الجنوبية الغربية من الحصن ويوجد على مدخل الحصن كتابة مؤرخة للحصن بأنه بني في الفترة من 1361هـ ـ 1377هـ، بينما تدل البقايا المتناثرة من تلك المباني المهدمة المشار إليها بأن الحصن الحالي شيد على أنقاض حصن قديم شيد في العصور الغابرة.
ومن الحصون والقلاع الحربية الأثرية والتاريخية الموجودة في مديرية ملحان “حصون جبل مردع في جهش عزلة القبلة، حصن قشيبة في القبلة أيضاً، حصن مخبان، حصن الأصابع، حصن المقيوم، حصن مالك، حصن قرن غراب بعزلة جبع، حصن قرن عوف والذي ينسب إلى العوف بن مالك وأبو ملحان وحفاش، حصن جبل مصعب بن مالك بن ملحان ويقع في عزلة جبع ملحان، حصن غرافة عالية وكان مركزاً للحامية العثمانية على جحدر وعماشة، حصن الساعد في عزلة بدح، الحصن اليماني، حصن قرن حميد، حصن الشجاف والذي مازال عامرا أو يسكنه حالياً الشيخ العزي أحمد الشجاف ويعد واحداً من الحصون الواقعة في عزلة الشجاف إحدى العزل الشهيرة المكونة لمديرية ملحان وفي هذا الحصن توجد العديد من الكتل الصخرية بها رسومات مختلفة وبه يوجد عدد من الكهوف ذات النقوش والرسومات الغريبة يقال إن هذا الحصن قد استخدم كمحمية دفاعية لصد الغزاة العثمانيين والذين أرغموا على مغادرة المنطقة لمناعة الحصن وصعوبة المنطقة.
مساجد تاريخية
يوجد بملحان عدة مساجد منها ما يعود بناؤها إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم على يد أحد الصحابة هو مسجد “شاهر” الذي ذكره الهمداني وعدد من المساجد الشريفة، وهذا المسجد حالياً مندثر لم يبق به إلا بعض أثر دال عليه وهو ما يسمى اليوم بالصفة المباركة في شاهر. ومنها ما يعود بناؤه إلى القرن الثاني الهجري والرابع الهجري والخامس، مثل مسجد عنامة ومسجد بارق المطر بعزلة بني وهب، ومسجد المحارث ومريخة بعزلة القبلة، وهما مندثران ومساجد جبل الدوم من عزلة جبع، فهي من المساجد القديمة وتبلغ مساجد ملحان سبعمائة مسجد تقريباً ما بين قائم ومندثر.
وديان ملحان
وادي تباب وهو وادي فسيح عريض يسقي القناوص وما إليه وكلمة تباب كلمة عربية فصيحة وبالرجوع إلى القاموس نجد كلمة تباب معناها في اللغة الهلاك والضلال والضياع.
ولعل المقصود هنا من التسمية أن هذا الوادي كثير الشعاب والنمعطفات أو الغابات والسباع مما جعل منه مكان خوف يخشى على سالكه الهلال المحقق.
السياحة في ملحان
حبا الله مديرية ملحان جمالاً طبيعياً وألبسها حلة خضراء وتعد منتجعاً سياحياً فريداً لم يكتشف بعد من قبل القائمين على السياحة فجمال ملحان جمال طبيعي فهي ذات مناظر ومشاهد ساحرة تستثير الذهن وتشحذ الذاكرة وتصقل الموهبة بجمالها الإلهي فما هي قمة أفرست البيضاء، إلى جانب قمة ملحان الخضراء ويجري حالياً شق العديد من الطرق وسفلتتها ورص البعض بالأحجار ومن المؤكد في حال استقرار الوضع الأمني وانتهاء الأزمة الراهنة التي تعصف بالبلاد وعودة الحياة الطبيعية ستتوجه أفواج السياح زرافات ووحداناً ليروا الجمال الطبيعي الذي لم يلوثه ضجيج المدينة ولا حركتها وصخيبها في جبال ريشان العالية فمن رؤوس جبال محافظة حجة ومحافظة ذمار وجبال محافظة صنعاء بالعين المجردة خصوصاً في اليوم ذي الجو الصافي من الغيوم وتلك القمم تطل على حدائق غناء من البن والقات والموز والغابات الكثيفة الأشجار لا سيما بعد إعلان ملحان محمية طبيعية وفي ملحان من النباتات الغريبة والفريدة والأعشاب النادرة ما لا يوجد في غيره ومن ذلك أشجار الصندل الأحمر والذي هو من أغلى وأندر أعواد البخور وأشجار الأبنوس وغيرها.
الأسواق يملحان
في ملحان عدة أسواق أسبوعية يتسوقها الناس وتعتبر مواعيد التقاء أسبوعية للنشاط الاقتصادي وتبادل المنافع، وتجد أهل ملحان يرفدون هذه الأسواق بمنتوجاتهم ومنها “سوق الخميس، سوق الولجة ويوم وعده الأحد، سوق العرجين.
ملحان عشق وغرام للطبيعة
ملحان تتميز بطبيعتها البكر التي لا دخل للإنسان في تفاصيلها فحين تزور مديرية ملحان ترى الابتسامة تشع على وجوه الناس البسطاء وتلمح عيناك مناظر تأسرك بمفاتنها التي تسبي العقول فما إن تسير باتجاه جبال ملحان الشاهقة التي تعانق السماء ويتناقل عنها قصص غريبة حيث لا يمكن الوصول إليها إلا عبر الحبال «بالحاء المهملة» أو الرشقة كما يسمونها صعوداً وهبوطاً كما ستلاحظ إبان صعودك ملحان أن كل شيء يبدأ بالتغير سترى على سبيل المثال غابات من مختلف الأشجار وقد تلاحظ رعيانا للماشية يقودون قطعانهم من جبل إلى آخر دونما خوف من اعتلاء الجبال الشاهقة، بل أحياناً يتسابقون مع الماشية للوصول إلى جبال لا يمكن للإنسان العادي الوصول إليها.
وعلى الرغم من انتشار العديد من القرى على سفوح الجبال إلا أنه مازال هنالك بقع وامتدادات في صميم الريف الملحاني غير مأهولة بالسكان.
ومما يعيـق تواجد السياح في ملحان هو عدم وجود فنادق أو استراحات أو مطاعم ماعدا بعض المطاعم التي لا يمكن للإنسان العادي تسميتها بذلك.
منتجعات جبلية
توفر جبال ملحان في فصل الصيف ملاذاً رائعاً للسكان المتاخمين للمناطق الساحلية والذين يبتعدون عن وطأة الحرارة المرتفعة في المناطق الساحلية وتتحول جبال ملحان صيفاً إلى منتجعات جبلية فريدة وتلبس حلل بهيجة وكأنها عرائس تزف.
نبيل اليوسفي
أحلى اللحظات هي تلك التي تتفجر فيها الدهشة المفاجئة وأجمل الأيام هي تلك التي يصبح فيها الحلم الجميل والمستحيل حقيقة متوهجة، وليس هناك أجمل من الطبيعة في غيل باوزير... بمحافظة حضرموت.
نهر ونخلة
حيث ضاق صديقي من عمله المتواصل الذي حوله إلى ما يشبه الآلة سألته وهو يحزم حقيبته:
ـ إلى أين تنوي الرحيل؟... رد بزفرةٍ ملتهبة:
أرض الله واسعة.. ثم أردف قائلاً وقد علت ملامحه موجة ضاحكة:
إلى غيل باوزير كان مثلي ينقصه نهر ونخلة، وكنت أتجاوزه بتصنت الأزهار وهي ترشف المياه، لكن نيته التي أتت دفعة واحدة إلى غيل باوزير أجبرتني على مجاراته فلقد كنت لا أختلف عنه في البحث عن أسرار الطبيعة الساحرة، وغادرنا همومنا بقلوب كل ما فيها نخيل باسقات.. لوحات طبيعية خالدة كانت تعيشنا في أحلامنا فعشناها في واقعها، وإلى الشمال من مدينة غيل باوزير حمنا وحامت حولنا وفينا النجم والسركال، وتبدت عيون الماء حيوات قشيبة تتجاوز التسعين فانفتح في القلوب تسعون باباً تدفقت من خلالها كل خيوط السعادة التي قضينا سنوات رملية نبحث عنها.
بساط أخضر
كثيرة هي الأماكن في شتى أنحاء بلادنا أطلق عليها الغيل لغزارة مياهها الجوفية، وكثافة أشجارها، لكن عوامل خفية من ضمنها أفعال الإنسان أثرت في هذه الغيول فإن هناك أسباباً حسنة جعلت هذا الغيل سرمدياً للأجيال وإلى ما وراء حدود البصر، وتوالدت أشجار النخيل في خريفها المصفر بالثمار، فتحولت المناطق إلى مزارات كالديوان والحافة والفرجة، وتمدد البساط الأخضر.. إنها أماكن تهيم في أفيائها النفوس كرقصات الأغصان التي تداعبها النسمات العليلة، يقول رفيقي إنه يشعر في هذه الأماكن بأحاسيس مختلفة وجديدة.. إنه يحس أنه يسترجع سنوات عمره التي أضاعها في الهباء، ويحس في ذات الوقت أن ملامحه الذابلة بدأت تزهر من إزهار المكان الذي نعيشه خصوصاً في تلك البقاع البدائية البسيطة التي جهزها الفلاحون للزوار كبستان الحسينية، وتزدحم الملامح التي تحمل مساماتها الحبورة مناطق شتى من داخل البلاد وخارجها.
ووحدها الطبيعة تمنح الإنسان كل شيء بلا مقابل.. إنها تعيد إليه سعادته وسروره، وتعيد إليه سنوات عمره التي ابتلعها الزمن مزيلة كل التجاعيد والتغضنات، وتبقى دهشة الاكتشاف مطبوعة على جدار القلب على مدار الوقت، ووحدها الذاكرة مخولة باختزال الكثير من الصور الخالدة التي لا تموت.
حصن العوالق
من خلال ظلال الأشجار يتبدى الأفق أو بعض منه وهو مزدحم بالسحب وعلى أطراف المديرية يتراءى بحر سرح اليدين وفوقه الصباح.. منظر جميل لا يمكن أن تكرر الطبيعة فلاشاته الزاهية سوى في هذا المكان الشاعري وتتراءى من بعيد أجساد تستحم بماء البحر الدافئ وطيور النوارس تحلق ببهاء في فضاء الشاطئ وتتوسط الشمس كبد السماء فيرتفع الأذان في كل مسجد، وبالأخص جامع النقعة القديم الذي يصل عمره إلى زهاء سبعة قرون، وقد أسسه محمد بن سعيد باوزير، وفي لحظات روحانية نؤدي الصلوات جمعاً وقصراً لنغادر الصرح الروحاني إلى أهداف سياحية لم نخطط لها من قبل، ويقودنا أحد أبناء المنطقة إلى قارة آل عمر باعمر بآثارها التليدة، ثم تتخطى خطواتنا المرحة حصن الحطيم بشحير وكذا حصن العوالق الرابض في منطقة الحزم والمبني في حوالي العام 1960م ولست أدري هي ينسب هذا الحصن إلى قبائل العوالق الكائنة في محافظة شبوة ويتبدى المركز الثقافي بطرازه المعماري القديم والفريد.. إبداع شامخ في زمن اللإبداع، ومشعل متوهج في عقارب الانطفاء ومتحف يضم في أحضانه كل التحف في زمن أهمل التاريخ وباعه المهربون بأبخس الأثمان ومكتبة عامرة بالكتب في زمن أضحت القراءة فيه بضاعة كاسدة.
أربطة علمية
حين يتنفس الإنسان الصعداء، فذلك الهواء بالأحرى ثاني أكسيد الكربون الملتهب عبارة عن هموم منصهرة يتخلص منها الجسد بفعل الطبيعة الساحرة ذات العلاج الناجع ما يختلج في أعماق الذات من تراكمات غمية على مر السنين، وتنتصب حصون آل بن همام شامخة في وجه الزمن، فيما تتناثر السقايات العطشة الباردة في أماكن شتى.. إنه البحث عن الأجر والثواب من الرب بشتى الطرق ورشفنا الماء بنهم خالص، ثم مسحت نظراتنا قباب الأولياء الدائرية.. يقول رفيقي:
إن أغلب سكان الغيل القدامى أولياء ولا غرو في ذلك طالما أن الجميع يسعون لفعل الخير في كل بقعة، ولذلك فإن السعادة تفيض من خلال جوانحهم، وتتجلى الصورة المتشابهة بين المدن.. حبان في شبوة، وغيل باوزير في حضرموت في المعلامات التعليمية، ومن هذه المعلامات رباط العلامة محمد بن سالم، والتي أدت رسالتها التنويرية على مدى الأجيال.. لقد كان لحضرموت بشكل عام وغيل باوزير بشكل خاص الدور الريادي في نشر رسالة الإسلام في أفريقيا وجنوب غرب آسيا بالذات وبالمعاملة الحسنة للتجار الحضارمة الذين عكسوا صورة الإسلام في الأمانة والمحبة والتسامح، ومن خلال تلك القاعدة وذلك المنطلق انطلقوا يبشرون وينشرون ديننا الإسلامي الحنيف، فدخل آلاف الناس من اندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وغيرها دين الإسلام أفواجاً.
السوق القديم تلبسنا الدهشة، وتسكننا فنون المدينة الجميلة، فيصبح مسيرنا إلى السوق القديم واجبا لابد أن نؤديه حتى تكتمل في أعماقنا أوراق السعادة الخضراء، وإن كانت زيارة معالم الدولة القعيطية واجبا آخر لابد من تنفيذه لكن في زيارة قادمة ـ كان السوق يداعبه الهثيم، وترتفع من خلال دكاكينه مواويل وأغانٍ قديمة، وكانت مداعبات المطر الناعم كريش النعام فـرحاً آخر يرقص بين الضلوع.. إنه الصباح الوحيد الذي أحسست من خلاله أنني ولدتُ من جديد.
استطلاع : بلال محمود
إنها تعز..«فاتنة» هائمة في عشق الجبل..مستلقية بين ذراعيه في غفوة طولية الأمد..«حالمة» تشع جمالاً وطيبة.. «متواضعة» جهل أبناؤها قدرها فتمنى الغريب أن لايفارقها..
شيء ثان
في خضم البحث والتقصي عن حكايا الحب هذه.. كانت البداية مع الشاب محمد غانم يوسف “عماني الجنسية” التقيته قبل فترة ليست بالبعيدة في صالة استقبال فندق الشريف بتعز.. مضى الرجل يحدثني بزهو عن عشقه المتماهي لهذه المدينة الحالمة، وكيف يمنحها كل عام أسابيع من وقته المزحوم.. للتو ولدت فكرة هذا الاستطلاع ..
بعد أيام معدودة قام وفد رفيع المستوى من أعضاء رابطة العالم الإسلامي بزيارة “ تعز”.. بالإضافة إلى علماء الدين ضم الوفد رجال أعمال وإعلاميين سعوديين وعرباً.. فكانت فرصتي السانحة للتوسع فيما عزمت عليه، رافقتهم خطوة خطوة فوجدت تعز بعيونهم «شيئاً ثانياً».. سريعاً ما انقادت فيها خطاهم وسريعاً أيضاً ما« تيموا » بها..دخلوها زواراً فخرجوا منها عشاقاً..سلبت ألبابهم..وانتزعت منهم وعوداً بتكرار الزيارة « فزيارة واحدة لاتكفي » على عجالة وفي ذروة صراعهم مع الوقت انتزعت هذه الانطباعات ليس من جميعهم ولكن ممن زاروا تعز لأول مرة..الذين تكشف لنا عشقهم من النظرة الأولى..
خصوصية مميزة
عبدالعزيز صالح العويس..موفد قناة المجد الفضائية جذبته تعز بعذوبة هوائها ومعالمها الطبيعية الأخاذة فأفصح عن مكنون انبهاره مما رآه في تعز بشكل خاص واليمن بشكل عام..
كانت هذه زيارته الأولى ولكنها لن تكون الأخيرة على حد وصفه فهو لم يرو غليل عديد أسئلة كانت تتجاذبه، والمخبوء في مكنون نفسه ليس زيارة واحدة أو اثنتين بل أكثر من ذلك بكثير..
يقول عبدالعزيز: لليمن خصوصية مميزة ونحن في المملكة العربية السعودية نعتز بها ونعتبرها بلدنا الثاني، والحقيقة أني اكتشفت أنها أفضل بكثير من كل ماسمعته عنها من قبل وانبهرت تماماً وأتمنى لو أقضي بقية حياتي فيها..
لحظات سارقة
هناك في الجند حيث يقبع جامع معاذ بن جبل تسنى للوفد ومنهم صاحبنا عبدالعزيز معايشة تاريخ حي مهيب، فجأة التفت نحوه فوجدته سارح الذهن عيونه تتلهف وبلحظات سارقة لاقتباس شيء من ذلك التاريخ.. وبنظرات تحمل تعابير ومعاني كثيرة على الرغم من انشغاله بتوثيق التفاصيل.. حين التقيته وسألته عن مدلولية ذلك التأمل.
أجاب..: في جامع معاذ تذكرت الانطلاقة الأولى للدعوة لهذا الدين الحنيف كما تذكرت وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ بأنه سيجد قوماً أهل كتاب ونصت النصيحة على « يسرا ولاتنفرا وبشرا ولاتنفرا وتجاوزا وتطاوعا..» ويرى عبدالعزيز أن هذا الحديث قاعدة شرعية لأصول الدعوة ومن هنا من جامع معاذ بن جبل كان تجسيـدها الأول.
الإنسان
عبدالعزيز في آخر حديثه لم يخف إعجابه بأبناء اليمن الذين تشع الطيبة من وجوههم فكل شيء في اليمن جميل ورائع، وأفضل شيء هو ذلك الإنسان البريء والطيب كيف لا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد زكاكم من قبل بقوله: أتاكم أهل اليمن هم أرق قلوباً وألين أفئدة.. وأهل اليمن بحق مجبولون على رقة قلوبهم ولين جانبهم لم أجد أحداً منهم متجهماً أو متعصباً..فالكل لا يجيد التعامل مع الآخرين إلا بالاحترام..
حتماً يسبح الله
مسجد ومدرسة الأشرفية هي بحق تحفة معمارية نادرة رحابها الطاهر حظي بزيارة وفد الرابطة..رأيتهم مفتونين مبهورين بما صاغته أنامل الأجداد من هندسة وإبداع..
حاولت أن أسترق السمع لانطباعات الوفد الجانبية فوجدتها تحكي إعجاباً لا يتوقف، الدهشة والانبهار عنوانها البارز..وما توحد على ألسنة الجميع “ما شاء الله سبحان الله!”.
حينها أيقنت أن الدخول إلى رحاب الأشرفية له مذاق خاص ونكهة عابقة وأن من رآها «حتماً يسبح الله».
دفقات الإعجاب
قبل أن تهم شمس ذلك اليوم بالرحيل انقاد الموكب صوب قلعة القاهرة..فتناثرت في أرجائها حكاية التميز الفريد..مع رحلة الصعود كل العيون مفتوحة لاتغمض تلتفت يمنة ويسرة وفوقاً وتحتاً ولاتستقر على حال، وطأت أقدامهم قمة القاهرة خفيفة بالتجوال وكأنها تسبح في السماء ومع كل خطوة تتولد نظرة مختلفة فسرت في أعماقهم دفقات حراء من الإعجاب..وأخذت بمجاميع قلوبهم «كل القلوب»
قلب شاعر
إبراهيم عبدالعزيز الجمعي رجل أعمال سعودي وعضو في الرابطة قطعت عليه تحليقه فحلق بنا بتعابيره الجميلة التي لايحملها إلا قلب شاعر.
يقول الجمعي “المشاعر اختلطت بالورد والريحان والياسمين والصور الجميلة..هنا تستمد الأرواح التواقة للجمال شيئاً من صفائها المخبوء في تلك الهالة المنعشة من السكون..وأضاف الجمعي :
والله ما كأننا في بلد غريب ونحن لسنا في بلد غريب فعلاً فهذا يمننا يذكرنا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «الإيمان يمان والحكمة يمانية» والحقيقة أنني وأعضاء الوفد لم نكن نتوقع أن تكون اليمن بهذه الروعة والجمال الذي رأيناه في كل شيء في الطبيعة والطراز المعماري الذي ينفرد به اليمن ونجده متميزاً جداً،.
وأحب أن أقول للحكومة اليمنية وللشعب اليمني بأن يحافظوا على هذه الطبيعة الجميلة وهو ما تنفرد به اليمن عن بقية العالم.
تأمل واستغفار
توالى صوت الأذان من مآذن الحالمة ونحن في قمة القلعة نتابع انبعاثها الملفوف بصدى الترجيع فانسكبت في نفوسنا التواقة هالة من الروحانية.. بسنة الجمع والقصر أدى الوفد صلاة المغرب والعشاء فوق محراب التاريخ وامتزجت بعدها لحظات التأمل بالاستغفار..مع خطى المغادرة التقيت سالم محمد يحيى، موفد التلفزيون السعودي ميمماً بصره وخطاه صوب جبل صبر الذي بقدر ما سمع عنه بقدر ماعقد العزم على زيارته ومشاغل العمل التي شغلته عن زيارته من سابق هي التي قادته الآن إليه.
مستقبل زاهر
اليمن «أصيل، بسيط،عريق ،جديد» توصيفات اجتمعت على لسان صاحبنا سالم، وزاد عليها أن للسياحة في اليمن مستقبلاً زاهراً خصوصاً إذا وجد الاهتمام بالبيئة وتوعية الناس بالحفاظ عليها، وكذلك أن تقام المعارض السياحية عن اليمن حتى يتعرف الآخرون عليها أكثر.
سالم أشاد بالتقدم والازدهار الحاصل في هذا البلد سواء في المجالات العمرانية أو الاقتصادية..الخ، متمنياً مزيداً من التقدم مزيداً من الازدهار مزيداً من الاهتمام بالآثار والمعالم التاريخية مزيداً من الاهتمام بالبيئة والتخلص من المواد البلاستيكية وتوعية الناس بمخاطر هذه المواد وأضرارها للحفاظ على نقاء وجمال البيئة اليمنية.
عيد حب أخضر
يالها من طبيعة ساحرة كل ما فيها يجسد ويكمل الجمال.. في أحضان جبل صبر اكتملت الصورة حيث القرى المعلقة تسامر النجوم..بينما أعضاء الوفد منشغلون بترصد المدينة المتلألئة من باحة فندق الشيخ زايد في خصر الجبل.. انهالت عليهم باقات من الشُقر الصبري الفواح تجسيداً لعيد «الحب» ولكنه أخضر مختلف، على إيقاع النسائم العليلة تستمر الرحلة نحو القمة.. والجو يتغير ويتزين بتفاوت الطبيعة الخلابة، وحالة الطقس..وباقي التفاصيل أتركها لرجل الأعمال السعودي خالد الفهر حيث جاء وصفه «لقد كان الجو رائعاً للغاية والأروع منه صعودنا نحو السماء وارتفاعنا على القمر..»
القمر أسفل منهم
كي تتضح الصورة أكثر.. وصلنا قمة العروس لحظة بزوغ القمر وهو في غاية الروعة والاكتمال..رأيناه أسفل منا يملأ السماء ويمد الأرض بالنور..وصلت حينها لحظة الاندهاش عند أعضاء الوفد حد الذروة، فتسابقوا لالتقاط الصور التذكارية والقمر أسفل منهم..ولولا أن البرد عكر صفو تحليقهم لكانوا بقوا منتظرين صعود القمر أكثر فأكثر..يقول خالد الفهر “إنه لم يسبق له أن رأى مثل ذلك وإن تلك اللحظة حتى وإن لم توثق فوتغرافياً ورقمياً لن تمحى من ذاكرته ما بقي على قيد الحياة..”
نحسدكم عليها
وأضاف خالد الفهر بأنه لا بد من ذكر بأن اليمن بلد أهله أهل كرم وطيبة وتعز بالذات هواؤها عليل وليس لها مثيل.. مؤكداً أنه زار مناطق عدة في أنحاء العالم ولم يحس بطعم النوم «نوم القيلولة» إلا في هذه المدينة، موضحاً: مدينتكم جميلة نحسدكم عليها»
وختم خالد حديثه بأن وقت الزيارة كان ضيقاً للغاية وأنه قطع على نفسه وعداً بالعودة مرة أخرى ولكن هذه المرة هو وجميع أفراد أسرته تحديداً في الصيف القادم..ومما أكد عليه خالد أنه أخذ العزم أيضاً على الاستثمار سياحياً في هذه المدينة وجبلها الأخضر لأنها على حد وصفه بيئة خصبة وصفقة رابحة مائة في المائة.
لقاء: أحمد مسعد الوعيل
تعتبر مديرية الظهار في محافظة إب من المديريات اليمنية التي استحدثت، وتحتل أهمية كبيرة؛ كونها تمثل وجه المحافظة، وتربط مناطقها بالمحافظة مع جميع مديريات المحافظة؛ كونها قلب إب النابض.. حظيت مديرية الظهار بتقدم كبير في الخدمات التنموية والحيوية والإنمائية لتلبية النمو المتزايد في النهضة العمرانية، وقد حظيت بالكثير من المشاريع التنموية واستكمال البنية التحتية للمديرية في كافة المجالات؛ حيث حصلت المديرية على المرتبة الأولى بالمحافظة؛ كونها تجاوزت الربط المقرر على المديرية خلال السنوات الماضية.. ولتسليط الضوء على أحوال المديرية والمشاريع التي تم تنفيذها خلال السنوات الماضية حتى الآن، وأهم المعالم والصعوبات فيها التقينا بالأخ عبدالله علي محمد الخولاني - أمين عام المجلس المحلي بمديرية الظهار - والذي تحدث في بداية اللقاء قائلاً : في الواقع مركز المديرية يعتبر بوابة لمحافظة إب والمحافظات الأخرى وممراً تجارياً وواجهتها السياحية والتاريخية والتجارية. حظيت المديرية بنصيب الأسد خلال السنوات الماضية من المشاريع الخدمية والتنموية وتنفيذ المخططات العمرانية لهدف الحفاظ على جمال المدينة وشوارعها، حيث والمدينة تعد لتكون إحدى المناطق السياحية لليمن، وتتطلب أن تكون شوارعها ومبانيها تتناسب مع هذا التوجه. أصبحت عاصمة المحافظة السياحية لجوها العذب ومناظرها الطبيعية الخضراء ومتاحفها الأثرية والتاريخية..
تمتلك مديرية الظهار مقومات سياحية متميزة ومتنوعة تبعث المتعة الحية عند السائح، والتي تؤكد عمق ارتباط سكان المحافظة بالحضارة الإنسانية.
في مركز المديرية عشرات القلاع والحصون التاريخية، والتي تتميز بمختلف المعالم الأثرية وذات طابع معماري فريد يعكس فنون الهندسة المعمارية التي أتقنها أبناء هذه المديرية وكذلك الأسواق الشعبية والحرف التقليدية، كذلك وديانها الزراعية، ومنع البناء العشوائي بإزالة أي مخالفات بناء عشوائية لإعطاء المديرية مظهرها الجمالي الرائع، والزحف العمراني العشوائي على الأرض الزراعية والأحواض المائية يهدر المياه، ويكثر من المشاكل ويعمل على إرباك المخططات، ونولي هذا الجانب اهتماماً كبيراً لأهمية الأحواض المائية بمركز المديرية.
وقال الأخ عبدالله الخولاني - أمين عام المجلس المحلي بمديرية الظهار: أما عن تجربة المجالس المحلية في المديرية تعتبر تجربة ناجحة وفريدة وبحاجة إلى دعم من الجهد الشعبي وكذلك المنظمات الجماهيرية وكل القطاعات الأخرى؛ لأن التجربة ليست وليدة، وهي في الأساس تخدم المواطنين من خلال ممثلين في المجالس المحلية، حيث أعطيت لها صلاحية كبيرة وواسعة النطاق، وأصبحت الوحدات الإدارية تدير شئونها بنفسها مالياً وإدارياً، والتجربة تكتسب قوة يوماً بعد يوم، والعالم يعجب بهذه التجربة.
أما المشاريع الجاري تنفيذها والمنفذة للمديرية فقد نالت المديرية عدداً كبيراً من المشاريع ولازالت عجلة التنمية مستمرة في البناء والتطور، تعتبر المديرية من المديريات الواسعة من حيث الكثافة السكانية والتوسع العمراني خصوصاً التاريخي وموقعها الجغرافي الممتاز.
حظي قطاع التربية والتعليم باهتمام كبير في المديرية؛ حيث أن هناك مشروع استكمال لمدرسة اللواء الأخضربتمويل محلي وبتكلفة 36 مليوناً و755 ألف ريال، أما مدرسة الإمام البيحاني فقد بلغت تكلفتها 26 مليون ريال، أيضاً مشروع مدرسة معبد بتكلفة أكثر من 39 مليون ريال، مدرسة جابر بن عبدالله بتكلفة أكثر من 49 مليون ريال، كذلك مدرسة 22 مايو بتكلفة 86.481.214 ريالاً، ومشروع مدرسة الشهيد الزبيري بتكلفة أكثر من 31 مليون ريال، مدرسة نجد وهاس والفرية، وكذلك إضافة فصول لمجمع مصعب بن عمير التربوي بتكلفة 74 مليوناً و243 ألف ريال، مدرسة ذي جادلة والعارضة السفلى بتكلفة 54.194.000 ريال، هذا ما تم تنفيذه من المشاريع والجاري تنفيذها من المدارس موزعة لمختلف مراكز المديرية والمناطق التابعة للمديرية، كما نلاحظ إقبالاً متزايداً من قبل الفتيات للمدارس، وهذه ظاهرة عظيمة في وسط الآباء والأمهات لتربية الفتيات للالتحاق في المدارس والجامعات والمعاهد المختلفة بسبب وعي المواطنين، فالتعليم مهم جداً لشبابنا وفتياتنا.
ويقول الأخ عبدالله الخولاني ـ أمين عام مديرية الظهار: أما قطاع الصحة فيحتل المرتبة الأولى من حيث المشاريع الصحية؛ فتوجد المستشفيات الحكومية النموذجية والمراكز الصحية والوحدات المنتشرة في كافة مراكز المديرية والمحافظة والمستوصفات الأهلية، هناك مركز أورام السرطان، ومركز الغسيل الكلوي، ومستشفى الثورة العام الذي يضم تلك الوحدات للمرضى والأمومة والطفولة وغيرها من الوحدات الصحية المهمة، وهناك مشاريع صحية تم تنفيذها كالمركز الصحي المغيرة المنقول إلى عسم بتكلفة 11 مليوناً و432 ألف ريال، أيضاً بناء مركز بمنطقة المعاين بتكلفة 21 مليوناًَ و681 ألف ريال، مشروع مستشفى الصالح بحراثة يعتبر مشروعاً استراتيجياً هاماً، والعمل جارٍ فيه، مركز صحي بعيقرة، مشروع المركز الصحي في منزل مشعر بتكلفة 57.714.962 ريالاً مع الملحقات التابعة له.
أما قطاع الأشغال العامة والطرق فقد حظي باهتمام كبير؛ حيث حظي بمشروع رصف خرساني لبعض شوارع المديرية بتكلفة 135 مليوناً و322 ألف ريال، أيضاً شق لعدد 5 وحدات جوار الطرقات التي تعد شريان الحياة. والمواطن ينعم اليوم بخيرات الوحدة ويستطيع التنقل بسهولة ويسر.
أما قطاع السياحة كما قلنا فإن المديرية واجهة المحافظة ومزار سياحي بشكل مستمر، هناك المتنزهات والحدائق والمنتجعات السياحية.. ومركز المديرية يمتلك العديد من المقومات السياحية الطبيعية والأثرية، حيث توجد مشاريع سياحية، ونقوم بتسوير تبة المغيرة مع جدران ساندة وصبيات بتكلفة أكثر من 43 مليون ريال، أيضاً تسوير مقبرة قحذة ومشروع تسوير مقبرة السبل، ومشروع سور حديقة حراثة، وسيتم بناء مشروع لمركز الأورام السرطانية، وتم تحويله للصحة نظراً للمصلحة العامة، ونسعى لتطوير الجانب السياحي وكافة الجوانب الخدمية التي تلبي احتياجات المواطنين.
ويضيف الأخ عبدالله الخولاني – أمين عام المديرية : حظيت مديرية الظهار بمبنى المجمع الحكومي الذي يعتبر جاهزاً وعلى وشك الانتقال لضم كافة فروع المكاتب التنفيذية، في المجمع نقوم حالياً بتسوير المجمع وملحقاته ، ولم يبق إلا الأثاث المكتبي للمجمع، والذي بلغت تكلفته 33 مليوناً و270 ألف ريال، كما نسعى حالياً إلى توفير الأثاث المكتبي للمجمع.
أما قطاع الزراعة فقد حظي بمشروع إنشاء المشتل الزراعي بتكلفة 867000 ألف ريال.. ونسعى لإنعاش المديرية في الجانب السياحي وتنفيذ العديد من المشاريع السياحية والاستثمارية؛ كون المديرية مركز محافظة إب والقلب النابض..
أما المشاريع الخدمية والتنموية التي حظيت بها المديرية خلال السنوات الماضية خلال 2001 – 2007م من عمر الوحدة اليمنية المباركة فهي كالآتي:
لقد تحققت العديد من المشاريع الخدمية في مختلف المجالات بلغ عددها 37 مشروعاً بتمويل محلي بتكلفة إجمالية 206.620.000 ريال، موزعة على: قطاع التربية بعدد 18 مشروعاً بتكلفة 118.437.000 ريال، قطاع الصحة حظي بعدد 5 مشاريع بتكلفة 24.000.000ريال، أما قطاع الأشغال والطرق نال عدد 10 مشاريع بتكلفة 57.433.000 ريال، أما قطاع الزراعة والري نال عدد 3 مشاريع بتكلفة 2.750.000 ريال، أما الشباب مشروع فقط.. وكل تلك المشاريع موزعة على مختلف مناطق المديرية.
لقد حظيت المديرية في الخطة الاستثنائية للعيد السابع عشر بالعديد من المشاريع في قطاع الطرق من حيث الشق والسفلتة ورصف شوارع المديرية بتكلفة 218.716.000 ريال، أيضاً سفلتة شارع 16 منطقة جوبلة خلف جولة العدين بتكلفة 105.004.000 ريال.
ويستطرد الأخ عبدالله الخولاني – أمين عام المديرية – بقوله: لقد حظيت المديرية باهتمام كبير ، وخاصة من المحافظ الذي أولى جل اهتمامه بالمديريات النائية لتنفيذ العديد من المشاريع الخدمية وإعطائها الأولوية بالمشاريع في كافة المجالات.. نسأل من الله العلي القدير أن يحفظ اليمن ويعيده لمكانته الاولى الرائدة والقائدة.
كما نالت المديرية عدداً من المشاريع الخدمية خلال السنوات الماضية في كافة المجالات، خلال العام 2005م نالت21 مشروعاً بتمويل السلطة المركزية، وهناك الكثير من المشاريع لا نستطيع سردها لكثرتها.. وشهدت تطورات كبيرة في البنية التحتية لأهميتها وموقعها الجغرافي.
أما عن الإيرادات للمديرية فتحتل المرتبة الأولى للمحافظة؛ من حيث تحصيل الموارد المالية في الربط المقدر للإيرادات، ودائماً في تحسن ملحوظ، ونسعى دائماً لرفع الإيرادات لمواجهة تنفيذ المشاريع، ولقد حققت قفزة نوعية خلال السنوات الماضية.
الإيرادات ليست كما كانت في السابق، وهذا خارج عن إرادتنا رغم أننا نولي هذا الجانب اهتماماً كبيراً من حيث المتابعة في تحصيل الإيرادات ورفع مستوى الأداء.
وأضاف الأخ عبدالله الخولاني – أمين عام المجلس المحلي بالمديرية : أما عن الضمان الاجتماعي نسعى للحد من البطالة والفقر وإيجاد العديد من حالات الأسر الفقيرة التي يشملها قانون الضمان الاجتماعي، حيث وأن المستحقين لإعانات الرعاية هم 5 فئات: الأرملة – اليتيم – المعاق – الشيوخ - كبار السن، نقوم بالإشراف أثناء وجود حالات جديدة والتأكد من تسليمها للمستحقين، يوجد عدد كبير من حالات الضمان بالمديرية، نسعى لتوسيع شبكة الضمان الاجتماعي ...
أما عن أهم الصعوبات التي تعيق أعمال المشاريع في المديرية فتتمثل في عدم إعطاء المديرية اهتماماً أكبر في الجانب السياحي والاستثماري من قبل الجهات ذات العلاقة، أيضاً عدم وجود خطوات حقيقية وملموسة في الجانب الاستثماري والسياحي، خصوصاً وأن المديرية هي مركز المحافظة.
أيضاً شحة الموارد المالية لتنفيذ المشاريع للمديرية وخاصة بهذه الفترة، عدم الالتزام بالقانون للسلطة المحلية ولائحته التنفيذية نصاً وروحاً من قبل بعض الإدارات العامة داخل المحافظة.
عدم نزول المخططات، عدم التنسيق مع المجالس المحلية؛ حيث وإنها لم تواكب التوسع العمراني للمديرية، مما يؤدي إلى وجود الكثير من المخالفات من قبل ضعفاء النفوس المريضة.
أيضاً التعويضات لأصحاب الأراضي المحجوزة لمواقع خدمية: مدارس، حدائق، مما تعيق عملية التنمية داخل المديرية.
رغم ذلك نستطيع القول: إننا نتغلب على بعض الصعوبات من أجل سير أعمال المديرية دون توقف بجهود ودعم قيادة المحافظة ممثلة بالمحافظ والأمين العام.. أما عن المهام اليومية يقول الأخ عبدالله الخولاني – أمين عام المديرية: نقوم بشكل يومي بالعمل على حل أي مشاكل قد تحصل سواءً تربوية أو غيرها والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة وبما يحفظ حقوق الجميع.
أيضاً النزول الميداني إلى مواقع الأعمال للوقوف أمام مستوى الإنجاز والتأكد من استكمال الشوارع الرابطة بالشارع المعتمد للرصف الحجري، أيضاً التواصل المباشر مع المواطنين وتوفير احتياجاتهم من مشاريع خدمية أو حلول مشاكلهم، نحن نتلمس ظروفهم ومتطلباتهم ورفعها للجهات ذات العلاقة والمتابعة بصورة مستمرة، وهذه من أهم أعمالنا التي اختارونا من أجل أن نمثلهم بالدولة، وهو مما تمليه ضمائرنا لخدمة بلادنا رغم التدهور.. وعلى ذلك سنحافظ على وطننا ووحدتنا العظيمة والمنجزات.
خـــالــــد راوح
بمجرد أن تصل ذمار ستجد نفسك تتجول داخل متحف طبيعي لما خلفته الحضارة الحميرية والإسلامية في هذه المدينة العريقة التي لا تزال رائحة التاريخ عابقة في أرجائها..ففيها شواهد أثرية تحتاج منك إلى أن تكلف نفسك قليلاً من العناء لتعيش عظمة ما خلفه الإنسان اليمني على مر العصور في مدينة عجيبة لا تزال في حالتها البكر، فالظاهر للعيان قليل جداً وما خفي كان أعظم..
الجامع الكبير
الجامع الكبير وهو معلم إسلامي فريد بني في عهد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقع وسط المدينة في منطقة تعرف بميدان الحوطة.. عند التجوال قيل لنا بأنه شيد بعد شهرين من بناء الجامع الكبير بصنعاء، هذا الجامع التاريخي لم يسلم من التشويه باسم الترميم، فقد أجريت عليه عدة ترميمات واسعة في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي وبطريقة غير علمية وبشكل عشوائي أثرت على طابعه الإسلامي وأزالت زخارفه القديمة وحلّت محلها زخارف حديثة ليس لها أية قيمة أو معنى.
سقف الجامع كان مزخرفاً بقطع خشبية ملونة غاية في الجمال، ويكفي لمنبر الجامع للدلالة على الأهمية التاريخية والحضارية لمنبر الجامع أنه يعود إلى القرن الرابع الهجري، ويعد أقدم منبر في شرق العالم الإسلامي بأكمله.
ومدينة ذمار غنية بالتراث الإسلامي، فكلما توغلنا نشاهد مساجد لا تقل جمالاً وروعة عن المساجد الأخرى من حيث العمارة وطراز المآذن والقباب والزخرفة والنقوش.. فن رائع ذو أصالة عريقة ضاربة جذورها في أعماق التاريخ، فهناك العديد من المساجد الإسلامية القديمة التي تنتشر بها الحمامات البخارية التي لاتزال تعمل إلى اليوم ويمكن مشاهدة عدد من السماسر القديمة في داخل السوق القديم والتي كانت تستخدم كفنادق ومحطات وقوف للمسافرين والتجار.
حمامات على منتج سياحي
من يحل على ذمار لابد أن يكون في ضيافة حمام علي الذي لا يبعد كثيراً عن عاصمة المحافظة، الطريق إليه مسفلت إلا جزءاً صغيراً فهو ترابي، ومن يزور المدينة ستدهشه الأعداد الكبيرة للحمامات ذات الينابيع الصحية المعدنية التي يأتيها العديد من الزوار للعلاج والاستجمام والراحة من أبناء المحافظة والمحافظات الأخرى ومن دول شقيقة، وتعتبر هذه الحمامات متنزهاً للأدباء والمثقفين والعامة من الناس، فمن هذه الحمامات حمامات عديدة أشهرها حمام علي وحمام الإمام وحمام المصلى واللافت للنظر وجود حمامات طبيعية داخل العديد من المنازل يغنيها عن الذهاب للاستحمام في الحمامات المنتشرة بالمنطقة.
وحمام علي على عكس حمام دمت لا توجد به مرافق وخدمات تجعل الزائر يقضي فيه وقتاً طويلاً للراحة والمتعة مما يجعله في حاجة إلى المزيد من الاهتمام باعتباره منتجعاً سياحياً يجب استغلاله ودخوله الخدمة السياحية.
مدينة حميرية في مصنعة ماريا
مصنعة ماريا إحدى المدن الحميرية شُيدت فوق سطح جبلي مرتفع، الوصول إليها فيه نوع من المشقة والمغامرة لوعورة الجبل، فقد قطعنا طريقاً مرصوفاً يبدأ بالقرب من كلية التربية باتجاه المنطقة التي تبعد حوالي 18كم وفي طريقنا مررنا على عدد من القرى المتناثرة على اليمين واليسار كحبات مسبحة، وأخذتنا المنحدرات.. وبعد حوالي 8 كم تمكنا من مشاهدة الجبل الذي تقع عليه المدينة الحميرية وواصلنا الطريق إلى أن توقفنا في سوق صغير لبيع القات بالجملة، من هنا يمكن للزائر أن يواصل الرحلة مشياً على الأقدام عبر طريق ضيق تصعد فيه بهدوء وحذر على منحدر جبلي شديد الوعورة وعلى سطح الثلة تشاهد مجموعة من أكوام الخرائب الأثرية، ويمكن تمييز المعبد من القصر من البناء العادي.
وتتناثر على سطح الموقع الكثير من الكسر التي عليها بعض الحروف المسندية، وتوجد الكثير من البرك والأحواض المائية أهمها الباب الشرقي والذي لا يمكن لأي شخص أن يركز على أنها بوابة وتصل هذه البوابة بالطريق المرصوفة القادمة من أسفل القاع، كذلك تجد بقايا إحدى البوابات الجنوبية التي تحمل على جانبها النقش الصخري الشهير وتظهر بعض التحصينات الجدرانية خاصة في الأجزاء السهلة والتي يمكن دخول المدينة منها، أما المناطق شديدة الانحدار فلا تكاد تلحظ تحصيناً بها وقد سميت مصنعة والتي تعني بالنقوش اليمنية بالحصن الطبيعي، فهي محصنة بسبب التكوين الجبلي الذي ينحدر بشدة من كافة جوانبها، كما توجد أساسات لمبانٍ قديمة وأحجار عليها نقوش والتي تدل على درجة عالية من الاتقان في البناء والزخرفة وبعض الأساسات والأحجار التي تمثل أساس البوابة الرئيسة، ونلاحظ على إحدى الأحجار الضخمة الموجودة في البوابة محفورة مما يدل على أنها كانت تمثل نقطة ارتكاز لأحد مصراعي المدخل.. ويوجد إلى جانب مصنعة ماريا قرية صغيرة في الأسفل لمبانٍ انتقل جزء من أحجار المدينة القديمة إليها وللقرى المجاورة للموقع.
بينون أعجوبة أثرية
مدينة بينون الواقعة في عزلة ثوبان مديرية الحدأ إلى الشمال الشرقي من مدينة ذمار، وهي من أغنى المواقع الأثرية القديمة تبعد حوالي 50كم، وهناك أكثر من طريق للوصول إليها الأول من مدينة معبر يمر بعدة قرى مثل الأحساء والزراحة ومركز الناحية.. والطريق الثاني يبدأ من مدينة ذمار يتم التوجه إلى الجهة الشمالية الشرقية تمر بعدة قرى منها البردون.. والطريق الثالث يتم التوجه شرقاً عبر طريق ذمار البيضاء لنصل إلى مقابل جبل اللسي تتوجه شمالاً وتمر بمحاذاة جبل اللسي يتخلل الطريق العديد من القرى حتى تصل إلى نقيل المشاخرة تنحدر بك الطريق الوعرة حتى تصل إلى نقيل المشاخرة وقرى أخرى منها الزور وهي قرية كبيرة وهناك غيل مياه ينبع من أسفل نقيل المشاخرة ويتواصل الطريق بنا حتى تصل إلى ثوبان التي يوجد بها مجمع حكومي يتمثل في عدة مبانٍ منها مركز صحي ومدرسة إضافة إلى متحف للآثار.
خلال الرحلة يعتريك الذهول والدهشة وأنت تسير على علو شاهق وكأنك تطير فوق السحاب، وعند الوصول إلى قرية ثوبان تشاهد الجبل الذي يحتضن بينون وهو جبل شاهق، كما يمكن مشاهدة قرية صغيرة في أطراف الجبل اسمها النصلة توقفنا تحتها ليبدأ مشوار المشي على الأقدام وكأنك تصعد ناطحة سحاب الصعود مرهق للغاية إلا أن جمال الطبيعة يخفف عنك عناء الصعود، فلا تزال في بينون آثار أجزاء كثيرة منها ظاهرة للعيان على الرغم من حجم التدمير الواسع الذي تعرضت له المدينة والمتمثل في إعادة استخدام أحجار المباني القديمة في تشييد المباني الحديثة، إذ إن قرية النصلة بأكملها شيدت من الاحجار القديمة إضافة إلى القرى المحيطة بجبل بينون، وتنتشر على سطح الموقع أكوام كبيرة من بقايا المباني القديمة المهدمة التي يستدل منها على روعة وعظمة الإنسان اليمني إضافة إلى وجود أجزاء من السور القديم للمدينة.
وفي الموقع بقايا ولقى أثرية كثيرة كالأحجار المنقوشة بخط المسند أو المزينة بزخارف جميلة وكسور الأعمدة والكروف المجصصة والطرق السالكة وأساسات البناء لمساكن كثيرة، وقد وصف الهمداني أهم الآثار في بينون العجيبة والمتمثلة في بقايا القصر الذي كان يمثل أروع مبنى للمدينة، ويقع على تلة الداخلة كحصن منيع به أكثر من سور ويذكر اسم القصر باسم شهران ضمن أبيات شعرية ينسبها الهمداني لأسعد تبع :
وبينون منهمة بالحديد
ملازها الساج والعرعر
وشهران قصر بناء الذي
بناه بينون قد يشهر
أما الأثر الثاني فهو معبد يقع أسفل القصر لم يتبقَ من جدرانه إلا جدار واحد.. وأخيراً الانفاق وهي من عجائب بينون الشهيرة هذه الانفاق منحوتة في الصخر وعددها اثنان إحدهما مفتوح يبلغ طوله حوالي 150 متراً وعرضه ثلاثة أمتار وارتفاعه أربعة أمتار، الهدف من النفق نقل المياه من وادٍ إلى آخر يحول مساقط المياه من جبل النقوب إلى وادي الجلاهم وتجمع هذه المياه مع سيل وادي الجلاهم لتجري وفق حساب هندسي دقيق عرفه أجدادنا القدماء إلى نفق آخر يشق جبل بينون إلى وادي نماره، وتوجد في أحد المداخل نقوش تعرضت للتدمير.
وأما النفق الآخر فهو مسدود، وهناك العديد من الشواهد الآثرية التي تجعل ذمار إن لم تكن الأولى فهي الثانية من حيث الإرث الحضاري العظيم والشواهد المادية الباقية كشاهد على روعة إنجاز الإنسان اليمني وتحديه لقسوة الطبيعة وقدرته على إنشاء الشوامخ وبناء الحضارة.
منبع الفجر
المدن الجملية كائنات حية تتخلد إذا ما اهتم بها الإنسان أكثر من نفسه، وتعهدتها الأجيال المتتابعة بالرعاية والاهتمام، ومدينة مثل تريم لابد أن يكون الاهتمام بها أكثر من اللازم..
كونها منبع الفجر، وترنيمة الروح وسقسقات الوجد، وقبلة العلم، ومصدرة الدعاة إلى العالم وبالذات دول شرق آسيا واندونيسيا، كما أنها موطن النقوش القديمة والمخطوطات النادرة ، والقصور الفريدة، والمنازل الناطحة للسحاب وموقعها إلى الشمال الشرقي من مدينة شبام حضرموت جعلها تتربع عرش الأمكنة الرائعة التي يعود نشأتها إلى حوالي “24” قرناً حينما شرع في بنائها في عهد مملكة حضرموت الملك تريم الذي تزعم عرشها، وظلت المدينة صامدة في وجه الجغرافيا والتغييرات الجوية والبشرية، كما ظلت شهرتها تعتلي الألسنة على امتداد الأيام والليالي المتعاقبة، والتاريخ الطويل حتى اللحظة التي تم تتويجها عن جدارة عاصمة للثقافة الإسلامية للعام 2010 م.
رائحة الطين
أبهة المدينة لاتقف عند حد خصوصاً وأن هناك أنأمل ماهرة قامت بترميمها فكانت بحق عاصمة للثقافية الإسلامية، لكن الأعين الثاقبة لاترى سوى التاريخ.. تاريخ التراب الأسطوري المتمخض.. مبانٍ عملاقة، ونقوش أكثر من مدهشة، وتحكي كل ذرة من ذراته قصة تأسيس المدينة، ولفها بسور شاهق طويل يصد عنها غائلة الطامعين، وثلاث بوابات حصينة أكلها التوسع والإهمال وأكل السور أيضاً في قضمات حادة لم يتبق منها سوى الأطلال.. لكن الصمود أقوى من الاندثار والانتصار على الاسمنت أكثر من الهزيمة،على اعتبار أن الإنسان هناك بالذات خلق من تراب وليس من حديد أو اسمنت، ولهذا كانت اللوحات الهندسية المنقوشة على الدرابزين وواجهات البيوت، والغرف تتجدد كلما نام ليل واستيقظ صباح .. وقد تولد إلى جانبها ومن خلالها نقوش أخرى ساحرة.
وهج إيماني
تحت الكوافي البيضاء وجوه بيضاء من غير سوء تتقد ملامحها بمشاعل الإيمان، كذلك الأثواب بين ضلوعها قلوب طيبة صافية تشع بحب الله وحبها للناس، كذلك حبها بعضها بعضاً، ومن خلال تلك الملامح والقلوب والألسنة الخضراء بذكر الله أو المتصوفة الحقة شيدت مساجد، وبنيت أربطة علم، وأقيمت كليات شرعية، وانتشرت مجالس الذكر، واتسعت الحلقات العلمية، ولما كان لهذه المدينة شهرتها في نشر رسالة الإسلام في شرق العالم وغربه وشماله وجنوبه أثناء ممارسة التجارة في تلك البلدان وانعكاس تعاملهم الحسن على حب الناس لهم ومن ثم دخولهم في دينهم، فقد هب الكثير من مسلمي تلك الأقطار إلى تريم ملتحقين بأربطتها المنتشرة في ربوع المدينة، وكذلك دار المصطفى وكلية العلوم الشرعية وجامعة الأحقاف يقول أحد الوافدين للدراسة في هذه المدينة العلمية إنه وجد سعادته وفرحه وطمأنينته في دور العلم والعبادة. ويضيف : إن مدينة تريم راوية العطش ومداوية المكتئبين، ومسعدة الحزانى البائسين، كما أنها كنز نادر للمؤرخين.
دروب بساتينية
ترشف خطواتي تيهها في حواري وأزقة تريم بلدة في دروب بساتينية تاريخية تتمدد أحياناً مثل بساط مزركش، وتعلو أحياناً على قمم أعلى من التكبر.. وحده البصر يحاول أن يتسلقها ويقف هنيهات مرفرفاً على شموخها، حيث المساجد ودور العلم أكثر من المنازل، وعلماء تركوا بصماتهم الفقهية والدينية في كل موضع كالحداد والشاطري والجنيد والكاف والعيدروس وغيرهم. ويبقى جامع المحضار لوحة إسلامية فريدة بمنارته الشاهقة المربوعة التي يصل طولها إلى حوالي “27” قدماً.. شموخ في المبنى والمعنى أيضاً يتجاوز عمره “187” عاماً وهندسة نادرة تكونت أو ولدت من النخيل والطين، وزخرفات تتجاوز القدرة الآدمية، ربما بنيت بيد الملائكة لا بيد البشر، ويشرب البصر ملامح المسجد بلا ارتواء، ثم ينتقل إلى الجامع الكبير والقديم الذي يعود تاريخ بنائه إلى القرن الرابع الهجري، حيث درس في أفيائه العديد من الطلاب على مر القرون، وتخرج من صرحه الكثير من العلماء الذين سطعت نجومهم حتى يومنا هذا وتتزاحم المساجد في لحظات عبودية قل أن تجدها في المدن الإسلامية الكبرى..
وداع المدينة
على شفى الوداع استوقفتني مكتبة الأحقاف ذات المخطوطات النادرة في مختلف الفنون العلمية والمعرفية، وزحام طلابي ينقب في أحشائها عما يشبع نهم أبحاثهم.
عبدالله الأموي
المحراق: منطقة تقع في قرية عيبان التابعة لمحافظة صنعاء، تكاد تكون مجهولة لا يعرفها الكثير من الناس إلا أنها من المواقع الأثرية الهامة وذلك لاحتوائها على كم كبير من نقوش اللغة اليمنية القديمة.
اكتشف هذا الموقع خلال زيارة تطبيقية لطلاب قسم الآثار بجامعة صنعاء عام 2005م. ومنذ ذلك الوقت أصبح هذا الموقع من المواقع الأثرية الهامة التي يتوافد إليها دارسو النقوش والآثار لتميزه عن غيره من المواقع الأثرية الأخرى.
تميز هذا الموقع يتمثل فيما يحتويه من نقوش يمنية قديمة فالنقوش المعثور عليها هنا عبارة عن أسماء أشخاص ورسوم لحيوانات تمثل ذكريات الرعاة وهي نوعية جديدة من النقوش لم تكن معروفة من قبل. فالنقوش المعروفة من اللغة اليمنية القديمة هي خط المسند وخط الزبور، أما خط المسند فهو الخط الرسمي للغة اليمنية القديمة وكان يكتبه خطاطون متخصصون ويكتب به نقوش القرابين والأعمال الحربية وغيرها من النقوش الرسمية أما النوع الثاني وهو خط الزبور وهو الخط الذي كتبت به المراسلات الشخصية بين عامة الناس ويكتبه الناس على سعف النخيل.
أما هذه النقوش فهي مكتوبة بخط المسند ولكن كتبها أصحاب القوافل والرعاة الذين كانوا يرعون ماشيتهم وأثناء ذلك كانوا يكتبون ذكرياتهم بحفر أسمائهم ورسم حيواناتهم وكذلك الحيوانات المفترسة التي تأكل ماشيتهم على الصخور التي تتناثر في هذا الموقع بالإضافة إلى كتابات بخط الكوفي كما وجدت رسوم لمخططات قد تكون تقسيمات للأراضي الزراعية بين السكان وكذلك رسم للجنبية ورسوم أخرى متنوعة .
ويبدو أن الإنسان اليمني منذ القدم يهوى كتابة الذكريات حتى يومنا هذا وربما تكون عادة قديمة وهذا ما نشاهده على جدران المدارس والجامعات وأماكن الراحة والمتنزهات وبالأخص على كراسي الباصات فكما يقولون العرق دساس.. أجريت خلال هذه الفترة عدة زيارات إلى هذا الموقع تم خلالها كتابة مجموعة من هذه النقوش والرسوم وضلت مجموعة أخرى يتم نقلها ودراستها خلال زيارات متتالية يقوم بها طلاب الماجستير ودارسو النقوش ولم تنقطع هذه الزيارات بعد . من خلال هذه النقوش استطعنا أن نلقي نظرة على جانب هام من حياة الإنسان اليمني القديم وخاصة عامة الشعب فبإمكاننا القول إنهم كانوا على قدر عال من الثقافة فحتى الرعاة منهم يستطيعون الكتابة والرسم فالرسوم التي وجدت كانت غاية في الدقة والإتقان لدرجة أننا لم نستطع أن نرسمها على الورق بنفس الدقة مع العلم أنها مرسومة على الصخر.
يد التخريب تطال الموقع
قبل أشهر زرت الموقع برفقة مجموعة من زملائي من طلاب الماجستير، ولكن للأسف أحزنني ما شاهدته فقد أصبحت تلك النقوش التي كانت مثار إعجاب كل من شاهدها أصبحت شبه مطموسة لدرجة أن بعض النقوش التي شاهدناها في الزيارات السابقة لم نستطع كتابتها بسبب العبث الذي طال هذه النقوش، فأطفال تلك المنطقة عندما يجدون أحد هذه النقوش يحبون أن يضعوا ذكرياتهم على هذه الصخور ما يؤدي إلى طمسها .نعم كتابة الذكريات عادة أصيلة في الشعب اليمني كما أثبتناها ولكن ليس بتخريب المواقع، فشتان بين هذه الذكريات والذكريات الأثرية . وهنا يتبادل إلى الذهن سؤال مهم لماذا يحدث هذا العبث بهذه النقوش و بالتحديد بعد زيارتنا وخاصة بعد أن شاهدوا اهتمامنا بهذه النقوش رغم أنها ضلت على حالتها قروناً عديدة ولم يعبث بها أحد ؟! فهل هو الجهل أم هو تخريب متعمد ؟! مع العلم بأن أهل هذه المنطقة كانوا أكثر الناس ترحيباً بنا من المناطق الأخرى التي زرناها . وهذا الشئ ليس حالة استثنائية وخاصة بهذا الموقع فكثير من المواقع الأثرية في اليمن يحدث لها نفس الشئ !. ذكرني هذا بما كان يحدث في المواقع الأثرية في بدايات التنقيبات عندما كان يُعثر على موقع أثري فتوضع لافتة ( ممنوع الحفر منطقة أثرية ) فيأتي المخربون ويحفرون تحت هذه اللافتة بحثاً عن هذه الآثار. فإذا كان هذا من الجهل فلماذا يحدث التخريب بالتحديد بعد علم الناس بأهمية الموقع ؟ وإذا كان تخريباً متعمداً فمن المستفيد من هذا التخريب ؟




كتب - سعيد الشهري :
يعتبر محصول البن اليمني من اشهر المنتجات الزراعية التي اشتهر بها اليمن منذ القدم وتكمن اهمية هذا المنتج الى جودة البن اليمني والى مناطق الانتاج المختلفة عن ما يتم زراعته في مناطق اخرى من العالم ورغم قلة انتاجه بالمقارنة مع مناطق اخرى في العالم الا ان جودته تجعل منه المشروب المفضل لدى الكثير.
لتسليط الضوء على زراعة البن في اليمن ننقل هنا ما كتبه الاستاذ عبد الله حزام والذي سلط فيه الضوء على مناطق انتاجه وطرق الزراعة والانتاج في اليمن فإلى ما كتب عن البن اليمني ..
من خلال محصول البن سجل اليمن حضوراً متميزاً على المستوى العالمي منذ أوائل القرن السادس الميلادي وحتى منتصف القرن التاسع عشر باعتباره المصدر الأول للبن من خلال ميناء المخاء الذي حمل البن اسمه إلى كل أنحاء العالم.
لكن إيجاد بدائل أخرى لليمن في زراعة البن على نطاق تجاري واسع في كل من جزر الهند الشرقية والبرازيل، أدى إلى تراجع كبير في حجم إنتاج البن في اليمن، سرعان ما تحول محصول البن في القرن التاسع عشر هامشياً بالنسبة لمحاصيل أخرى مثل القات الذي انتشرت زراعته على نطاق واسع بسبب سهولة زراعته وملاءمته المناخية ومردوده الربحي السريع والكبير.
وهناك بالتأكيد أسباب أخرى أيضاً ساهمت خلال العقود الماضية في تراجع زراعة البن، يحددها المهندس سعيد حزام الشرجبي بـ «ندرة المياه، وتخلف الأساليب المعتمدة في زراعته»، وقدم عمر الأشجار وعدم كفاءة المكافحة الحيوية والكيميائية للآفات التي تؤثر سلباً على نمو أشجار البن، فضلاً عن مشكلة تفتت الملكية وعدم اعتماد أساليب التقليم الدوري الحديث لشتلات وأشجار البن، وتخلف أساليب التسويق والتصدير، مما قلل - إلى حد كبير - من الأهمية الاقتصادية للبن لدى معظم المزارعين وألجأهم إلى زراعة بدائل أخرى أهما القات.
غير أن جودة البن اليمني جعله يحتفظ بموقعه كأفضل أنواع البن المنتجة في العالم، وحرصت الكثير من الشركات على إطلاق اسم موكا «المخاء» على البن الذي سوقه.
خلال السنوات الأخيرة أبدت الحكومة اهتماماً بزراعة البن، وانعكس هذا الاهتمام في الزيادة الملحوظة للمساحة الزراعية وحجم الانتاج، حيث تشير تقارير وزارة الزراعة والري إلى أن إنتاج البن زاد العام 2002م إلى ما يقارب من 13 ألف طن بزيادة تقدر بأكثر من ستة آلاف طن عن العام 1997م، وبزيادة تصل إلى أكثر من تسعة آلاف هكتار عن المساحة المسجلة عام 1997م.
مناطق زراعة البن :
يزرع البن في أقاليم مختلفة من البلاد، ويزرع بصورة رئيسية على ارتفاع يتراوح بين 1000 إلى 1700 متر فوق سطح البحر، في الأودية التي تنحدر من المرتفعات الغربية والوسطى والجنوبية وفي المدرجات الجبلية - خصوصاً في سلسلة الجبال الغربي المطلة على تهامة، حيث تترواح كثافة المساحة المزروعة بالبن ما بين 900 إلى 1000 شجرة في الهكتار الواحد، ويتراوح إنتاج الهكتار الواحد ما بين 300 إلى 600 كيلو جرام، وهذه المناطق تمثل نحو 40 بالمائة من المساحة المزروعة في البلاد.
ويعد المناخ الدافئ الرطب، مع توفر القدر الكافي من المياه، مثالياً لنمو البن. ونظراً لافتقاد معظم البيئات التي تزرع فيها شجرة البن في اليمن إلى جانب أو أكثر من شروط النمو فإن المزارع اليمني استطاع - مع مرور السنين - أن يكوَّن خبرة كبيرة في التعامل مع شجرة البن ورعايتها ضمن أجواء تضمن لها أفضل شروط الإنتاج، واعتمد في سبيل ذلك تقنيات معتبرة في زراعة هذه الشجرة.




وتظهر براعة المزارع اليمني بصورة جلية في المدرجات الجبلية المكشوفة وعلى ارتفاع يصل إلى 1700 متر فوق سطح البحر، حيث تحولت هذه المدرجات - كما في جبل برع مثلاً إلى ما يشبه الحدائق المعلقة، واستطاع ببراعته أن يؤمن البيئة المثالية لنمو شجرة البن وإنتاجه، من خلال العناية بالتربة الزراعية، وغرس الأشجار الحراجية التي تتسم بفاعلية في توفير أجواء رطبة وتجنيب أشجار البن التأثيرات السلبية للبرد القارس وأهما شجرة «الطنب» التي تعد أيضاً مصدراً للأخشاب الجيدة.
وتفيد الدراسات التي أعدها الخبراء - من منظمات عربية ودولية معنية بالزراعة - أن اليمن يعد البلد الوحيد في العالم الذي تزرع فيه شجرة البن في ظل ظروف لا تتماثل مع الظروف المناخية التي تزرع فيه أشجار البن في مناطق أخرى من العالم، حيث يغلب على بيئة زراعة البن في اليمن ندرة المياه وعدم كفاءة التربة في خزن القدر الكافي من هذه المياه، ورغم ذلك يتمكن المزراع في هذا البلد من الحصول على أفضل أنواع البن في العالم والمعروف بالبن العربي.
وغالباً ما يلجأ المزارع إلى أساليب لا تخلو من البراعة - وخصوصاً أثناء الرعاية الأولية لشتلات البن - حيث يقوم بإحداث فجوات تتمتع بالعمق الكافي، ثم يضع الشتلة في الفجوة ويحيط الفجوة بسياج محكم من الأحجار ويزرع ضمن المساحة التي خصصها لشتلات البن أشجاراً حراجية لتوفير الأجواء الرطبة وحماية أشجار البن من البرد القارس، ثم يتعهدها بالري الكافي ويظل يرعاها حتى تنمو إلى المستوى الذي يمكنها من مقاومة المخاطر البيئية والحيوانية.
أصناف البن في اليمن :
يعرف العالم البن اليمني باسم البن العربي، وهو أجود أنواع البن، وتحت هذه التسمية توجد ثلاثة أنواع في اليمن هي: العديني، الدوائري، والتفاحي والبرعي، وهي الأكثر انشتاراً في البلاد. وثمة أسماء كثيرة تطلق على البن ومعظمها تنسب إلى المناطق التي يرزع فيها مثل: الحمادي، المطري، الحيمي، اليافعي، البرعي، والحرازي.
الأساليب المعتمدة في جني ثمرة البن :
تتسم عملية جني البن في اليمن بسيادة الأساليب التقليدية. فغالباً ما يلجأ المزارعون إلى جني الثمار على مراحل - أي كلما كانت الثمرة في مرحلة تسمح بجني الثمرة على النحو الذي يسمح بالمحافظة على جودتها ومنافستها - فكلما بدأ لون الثمرة يميل إلى اللون الأحمر الفاتح إلى مشارف النضج يقوم المزارع بجنيها، أو عندما يصبح لونها بنفسجياً أو رمادياً داكناً، وهي المرحلة التقليدية من النضج يسارع في جنيها.
ويحرص المزارع على جمع الثمار التي تجنى في وقت واحد مع بعضها وفصلها عن الثمار التي تجنى لاحقاً حتى يضمن جودة ونكهة أفضل للثمرة.
ويحرص المزراع على عزل الثمار المتساقطة حتى لا تؤثر أيضاً على جودة البن لأن هذا النوع من الثمار عادة ما تكون مشبعة بالرطوبة.
تجفيف البن :
وتمثل عملية تجفيف البن أكثر مراحل إعداد المحصول للتسويق تعقيداً، إذ تتطلب حرصاً كبيراً من المزارعين لضمان الجودة والنكهة المطلوبين، فبعد جني المحصول يقوم المزارعون بعرضه لأشعة الشمس، وفي أماكن جافة لمدة تترواح بين أسبوع إلى ثلاثة أسابيع. وفي معظم الأحيان تشهد عملية التجفيف بعض الأخطاء التي تقلل من جودة الثمرة، كأن يتم عرض كميات كبيرة في مساحات ضيقة مما يؤدي إلى تخمر بعض الثمار نتيجة الرطوبة وغياب التهوية الجيدة، أو يتم تجفيفه على مساحة ترابية مما يؤدي إلى المشكلة ذاتها.
التقشير:
وتمثل عملية تقشير ثمرة البن المرحلة الأخيرة قبل تسويق المحصول، وتتخلص هذه العملية في فصل قشرة الثمرة عن النواة، حيث يتم تسويق النواة باعتبارها الجزء الأهم في الثمرة، فيما يتم تسويق القشرة بشكل منفصل، وفي حين يتم تسويق النواة خارجياً، تحظى قشر البن برواج في الداخل، ويعرف المشروب الذي يعد منها بالقشر.
وقبل عملية فصل النواة عن القشرة يتم نقع الثمرة في الماء لمدة تتراوح بين ساعتين إلى ثماني ساعات، حتى تسهل عملية الفصل ولا تتأثر النواة وتحافظ على المستوى المطلوب من الجودة والنكهة.
التدريج :
وهي العملية التي يتم خلالها فرز النواة الجيدة عن سواها حرصاً على جودة البن المعد للتسويق، وللحصول على السعر المناسب. وخلال هذه العملية يتم جمع النوى المتجانسة مع بعضها، من حيث الحجم والكثافة، تمهيداً للعملية اللاحقة من عمليات تجهيز المحصول للتسويق وهي مرحلة التحميص. والملاحظ أن معظم النواة تتسم بحجومها الصغيرة، ويعود السبب في نظر الخبراء الزراعيين إلى الظروف المناخية التي لا تسمح عادة بنمو مثالي لشجرة البن في معظم البيئات التي يزرع فيها.
وغالباً ما تتم عملية فرز نواة البن يدوياً من قبل أفراد عائلة المزارع، حيث تقوم العائلة بنثر نواة البن الصافي في مساحة نظيفة وفي ظل إضاءة مناسبة، وتتيح هذ العملية فرصة لاستبعاد الشوائب وحبوب البن المصابة بعيوب أثناء عملية التقشير تمهيداً لعملية التحميص.
التحميص :
وتتم هذه العملية بالقدر نفسه من التعقيد الذي يميز مرحلة التجفيف. لأنه يترتب على هذه العملية الحصول على الجودة والنكهة المطلوبتين اللتين سرعان ما تتأثران إذا ما افتقدت عملية التحميص للقدر المطلوب من العناية.
وتتم عملية التحميص في درجة حرارة تتراوح ما بين 180 إلى 240 درجة مئوية، ولفترة زمنية لا تتعدى العشرين دقيقة.
وهذه العملية لا تقتصر على المزارع نفسه بل إنها في السنوات الأخيرة باتت محصورة في محلات بيع البهارات في المدن الرئيسية التي باتت تمتلك معدات أكثر حداثة لإنجاز عملية التحميص وبدقة أكثر.
وتبعاً لطريقة التحميص نفسها يمكن التحكم في لون البن بعد الطحن من بني غامق وبني غامقِ محبب، إلى فاتح وناعم وبني فاتح محبب.

لمزيــــــد عن الموضوع
http://yemencoffee.org/index_a.html
http://www.26sep.net/newsweekarticle.php?lng=arabic&sid=26383
http://www.felixnews.com/news-7609.html
http://www.26sep.net/news_details.php?lng=arabic&sid=68851
http://www.sabanews.net/ar/news232282.htm

استطلاع: نبيل اليوسفي
الصيف يتفصد عرقاً ومسامات السحاب تسيل رذاذاً ومطراً وعلى امتداد الأفق حقول قات ورجال امتص عافيتهم السهر والإمساك، ومن على صهوة الزمن تتساقط اللحظات السريعة موتى فيما تتلألأ أسفلها مدرسة العامرية كشموخ سرمدي لاتنطفئ مشكاته.
رداع القلب والجسد
في قلب مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء يلبسني تاج التاريخ ومهابته وقدسيته، وتشمخني الأماكن الشاعرية، والإبداعات المعمارية الإسلامية، فتستبد بي فرحة لانهائية لاتستطيع صدها الأكوان حين أكون مع مدرسة العامرية وجهاً لوجه، وهنا تتجلى الجمادات في حيواتها الخفية التي لاتموت، تتسلقها الأنامل الماهرة والعقول الهندسية المعقدة والأصداء العلمية الجميلة، والتراتيل السماوية الشفافة الرقيقة والمواويل الدينية الخالدة في كاسيت الفضاء الذي لايقص كلمة أو يغيرها عن موضعها.
قلعة علمية
الأمكنة الخالدة كالأزمنة لاتموت، ومدرسة العامرية شعاع سرمدي لاينطفئ، بناها السلطان الظافر عامر بن عبدالوهاب في سنة 910 للهجرة، وأمر وزيره علي بن محمد البعداني بالإشراف المباشر على بنائها، وبعد استكمال العمل فيها أضحت قلعة للعلم لاينطفئ أوارها وسعى طلاب العلم إليها من كل حدبٍ وصوب لكن تلك الشعلة العلمية أوشكت أن تنطفئ بعد حوالي مائة وأربعين عاماً من عطائها المتواصل بسبب اختلاف في بعض العقائد وكان الإمام المهدي محمد بن الحسن هو من حاول القيام بذلك في العام 113 هـ على اعتبار أنها من آثار مبتدعي التأويل لولا تصدي القاضي علي السماوي في الوقت المناسب بعد تلاوته على الإمام المهدي الكثير من الآيات القرآنية المتضمنة عقاب هادم مساجد الله والأماكن التي يذكر فيها اسمه وتراجع المهدي عن قراره وهدم بعض شرفاتها إبراراً بقسمه، ومرت عليها بعض الدويلات التي غيرت من معالمها لتتناسب مع سياستها ففقدت الكثير من جماليتها وروعتها وإبداعها الهندسي الفريد الذي تعجز عن فك شفرته العلوم الحديثة.
طوابق إبداعية
الوقوف أمام المهابة الأسطورية لم يستمر طويلاً لثلاثة طوابق مزخرفة، فأصبح الولوج إلى ذات المكان أمراً محتماً والبداية من الدور الأرضي الذي كان يستخدم لطلبة العلم القادمين من مناطق بعيدة ويحتوي عشرين غرفة غاية في الاتقان تنقسم بين الجهات الشرقية والغربية والشمالية، ويتوسط القاعتين ممر طويل يحرسه بابان في اتجاهين متضادين كانتا تستخدمان لحلقات الدرس كما يضم المحتوى مصلى ومكاناً للوضوء والاغتسال، وتتسلق الأقدام درجات الطابق الثاني برصانة شديدة يليق بهندامه وقدسيته، إذ هو عبارة عن مسجد تمتطيه قبة عملاقة تتناثر حولها ست قباب صغيرة متقنة وعلى القبلة بركة تندفع إليها المياه من غيل المحجري وعلى صحن المسجد أربعة أواوين وغرفتان تمتطي إحدهما الأخرى يرجح أهالي المنطقة أنها كانت مسكناً لمشائخ العلم ويأتي الدور الثالث سقفاً مزخرفاً بقبابه، وتشكيلات مزخرفة تلتف حول القباب من شتى الاتجاهات مضيفة إلى السحر الأخاذ روعة زبرجدية.
سكينة وسعادة
شيء ما من السكينة يعتريني وتحفني أجنحة من سعادة خصوصاً بعد تأملي ملياً للآيات القرآنية التي تجمل الجدران بخطوطها المزهرة ومعانيها الربانية، وتتناثر كلمات وعبارات أخرى تحت رحمة الزمن الذي بدأ يخمشها بأظافره الحادة وغادرت المكان وسكينة ومهابة ما زالت تلبسني حتى اللحظة.

عدن : أمل عياش
العطارة من المهن العربية القديمة وعدن سوق قديم لهذه المهنة ويرتبط سكان عدن بثقافة شعبية عميقة مع العطار يذهبون إليه حين يصرخ مولود، أو حين يغادر إلى دار الآخرة أحدهم، حديث مع مراد القصيص واحد من أشهر دكاكين العطارة عرفه سكان المدينة، كطبيب الأسرة يبوحون له بأسرارهم ومشاكلهم العائلية لتبدو المدينة عائلته الكبيرة وتاريخها جزءا من تاريخه الشخصي.
والدي بلغ من السن 110
حدثنا عن الزمن الذي بدأ فيه العمل في دكان العطارة المشهور بدكان القصيص نسبة إلى اسم العائلة؟
ـ تم العمل في دكان القصيص مع بدايات إنشاء مدينة عدن – مثلما حكى لي والدي - كان كل ما يحيط بنا تراب ورمل وقوافل محملة بالبضائع، لقد بلغ والدي من السن 110 سنة وظل يعمل في هذا الدكان 90 سنة...، حيث بدأت المدينة في التهيئة للعمل كمدينة حديثة مندُ1860م تقريبا . ولكي أوضح الصورة اكثر فيما يخص المهن التي سادت المدينة بشكل عصري فقد كان جدي لأبي يعمل جامعا للنحاس متجولا في الحارات لشرائه.
واستطرد العطار العدني مراد القصيص قائلا:
لقد كانت العلاقه في إطار مهنة العطارة بين ارباب المهنة بحسب حكايات الوالد لها سمة التعاون بين اليهود والهنود والبينيان أكثر من التنافس علاقات نزيهة تصل إلى حد الدعم المالي أوالاقراض المالي ومن الأسماء التي كانت مشهورة أيام الوالد رحمة الله عليه الخوجة (حيدر موطة) الذي كان يورد البهارات من الباكستان.
نريد أن تحدثنا عن أصناف الأدوية الشعبية التي يستخدمها عامة الناس وخصوصيتها العلاجية والبلاد التي تأتيكم منها مع فكرة مختصرة عن الأسعار؟
ـ في البداية اريد التوضيح أنني ادخلت بعض المواد الغذائية إلى الأصناف الأخرى لأن الشراء تراجع بعض الشئ وأيضا العمل في هذه المهنة بحاجة إلى جهد وأنا أملك الخبرة فيما يخص طريقة الاستخدامات لكن الجهد تناقص حيث إني من مواليد 1951م ) بعد هذه المقدمة استأنف العطار- الذي لايكاد يُرى متجولا بين الناس لارتباطة بدكان عطارته ليل نهار- حديثه بالقول :” من الأدوية التي تستخدم بطريقة مزدوجة هذا القرص من شمع النوب حيث يستخدم طبيا لإزالة السم الناتج عن الإصابة بغرزة مسمار صدى بتذويبه بالنار وتسييحه داخل الجرح، ومن الناحية العطارية يستخدم في صناعة العطور، وهناك نوع ردئ من الشمع يسمى شمع البحر أنا لا أبيعة ومن الأدوية التي يتناولها الكثير من الناس هي التي تقاوم مرض السكر منها “نواة الدوم” والدوم ثمرة معروفة مدورة نواتها صغيرة مثل حبة العدس يتم العمل على تكسير صدفة النواة للحصول على لوزتها الشبيهة بالمكسرات ويبلغ سعر القارورة التي تحمل ربع لتر من الماء من حيث السعة، 1000” ريال “ يمني اذا ما امتلأت بلوزة نواة الدوم.وهذه تأتينا من الريف اليمني “.
زيت كبد الحوت وقشر الرمان
و أشار بيده إلى زجاجة صغيرة تحتوي على مادة زيتية قائلا: هذا زيت كبد الحوت يستخدم من أجل التخلص من ( الربو) خاصة للأطفال، ويأتينا من منطقة صيادين في عدن وتدعى “عمران “في منطقة “ البريقة “ ومن الأدوية التي كان لها رواج في الماضي ومازالت ما تسمى “ ميميا حيواني “ ونحصل عليه من الهند أو السعودية وتستخدم لمداواة كسور العظام والانزلاق الغضروفي وايضا السحلب مع الصمغ مفيد للعظام. أما “ الميميا الحجري” قيأتينا من الصومال، أما الشمار والزعتر والكلاوية واليانسون تستخدم لفواحس البطن للأطفال والكبار، و(الالسي) و(الشمار) و(الشعير) مع بذور الفجل “ البقل” مع (النخوة) و(الزعتر) و(الحلف) كلها خلطة نحضرها بتثويرها على الماء ويشرب من تلك الخلاصة طول النهار ويوجد ضمن الخلطة عناصر أخرى، وأنا في الحقيقة لاأبوح بخلطاتي السرية خوفا من التقليد من الباعة المقلدين، ولكن لابأس أن أخصكم ببعض الأسرار خدمة للفقراء الذين أعياهم أسعار الأدوية المستوردة “ ثم اطرق برأسه متذكرا وقال “ الديدان كثير “ مايستثني الأطباء مضاعفاتها ويشخصون المرض بانه (اثنا عشر) أو (قولون) وهو ديدان تستخدم للديدان ( قشر الرمان) المدقوق يؤخد مع عسل أصلي مع الريق صباحا أو فص ثوم بلدي مع الزبادي “
الابتعاد من البسباس الأحمر
نظر إلى علب صغيرة وبدت عليه نصف ابتسامة قائلا:
بصراحة مع تزايد لجوء الناس إلى الشعوذة ازدادت بعض المبيعات لدينا مثل “ الحلتيت “ الذي يزرع في الهند وايران ، وايضا “ شب الفؤاد “ الأولى تطرد الجن والأخرى للحماية من العين “ ثم عاد إلى الحديث عن الديدان مستذكرا دور “ الحلتيت “ بشربه بكمية صغيرة مقدار “ نصف ملعقة صغيرة “ مع العصيرشارحا أهمية الابتعاد عن تناول البسباس “ الفلفل الأحمر “ والمقليات بالزيوت، وايضا للحمر “ التمر الهندي “ اليمني دور نافع في مقاومة الديدان.
السحلب والشمع والورس اليافعي
ماهي السلع القديمة والتي تعد الأكثر استخداما في البيت العدني اليوم؟
كل ما له علاقة بالولادات أو الموت “ الأكفان “ و “المجمرة “ الخاصة بالبخور و “المشجب “الذي له علاقة بالعروسة، بالإضافة إلى المصنوعات الحرفية مثل” القفة “ التي تحفظ الخبز ساخنا و(السفرة) الخزفية ومراوح اليد خاصة ونحن بلد حار في الصيف.
بصفتي انثى لابد من سؤال عن أهم المواد المبيعة الخاصة بالمرأة؟
“ تقصدين ما له علاقة بالتجميل والرشاقة وغيرها يأتي في المقدمة (الهرد) و(الحناء) و(الغسل) واستخداماتها معروفة، وثمرة “ الكثيرة “ بتشديد الياء لإطالة الشعر وعدم تقصفه، أما السحلب مع الصمغ فتستخدمه المرأة التي ولدت حديثا لألم الظهر، وهناك( الورس) اليافعي التي تبلغ الوقية الواحدة منه بألف ريال “ وفي تلك الأثناء دخلت امرأة في الخمسين من العمر ترتدي عباءة “ الشيدر “ وننقل نص الحوار:
المرأة أريد قليل شمع
مراد: يخرج قرص الشمع المائل إلى اللون الأصفر ثم يزن القطعة الصغيرة بثقلين من عملات عدنية كانت سائدة قبل الوحدة اليمنية ويأخد منها ثلاثمائة ريال يمني.
المرأة: “ معاتبة بلهجة عدنية محببة قائلة:
أو .. أو.. يامراد هذا قليل ..”
مراد قيمة : (القرص بثمانية آلاف ريال)
المرأة :( قل لي بكم الوقية الواحدة )
مراد: ( لا ..لا ..أبيع بهذا الوزن )
المرأة: “ بعتاب “ : ( والله يا مراد)
مراد: “ مقاطعا “ : ( تريدين من النوع الآخر مثل حق بعض الدكاكين.. مرحبا )
المرأة ( لا .. هذا النوع أفضل لصناعة العطر المطبوخ)
ينتهي الحوار وتأخد المرأة الشمع وتمضي، لتأتي امرأة أخرى تريد شراء سحلب مبتدئة الحديث:
المرأة:( بكم سعر الوقية السحلب يامراد)
مراد: النوع الهندي الوقية الواحدة بـ500 “ ريال “
المرأة تظهر لمراد سحلب كان بحوزتها “
مراد: هذا يتم دقه أوطحنه ليشرب مع اللبن، لكن يجب أن يؤخذ مع الصمغ أوالحلف “ ثم وجه الحديث إلي قائلا: كان زمان يأتي مع ماركة (أبو كف ) أوالخمس الأصابع الآن معدوم كانت الوقية منه بـ 1200 “ ريال “ ومع ذلك معدوم الدنيا تغييرت يا أماه..كان الرطل من النوع القديم 1200دولارا
المرأة (آو يامراد تتكلم بالدولار)
مراد” ممازحا “ دولار لحجي (لحج محافظة متاخمة لعدن ) تصوري كنا نبيع الكيس السحلب بشلن.
علاج لتساقط الشعر
دخلت امرأة ثالثة قائلة..معك من هذا؟
مراد: هذه “ الخلطة السحرية” تستخدم مع (الحناء) الحضرمي لإطالة الشعر ومنعه من التساقط توضع مع الماء الدافئ ويتم خلطة بالخلاطة.
المرأة: جربته بناتي وقالوا إنها ممتازة
مراد: كمان شرب (اللبن) مهم في إطالة الشعر مع تناول الخضار والسلطة .. مضت المرأة حاملة معها “ الخلطة السرية “ مع نصائح مراد العطار الذي يبدو من حديثه معهن أنه يحظى بثقة زبائنه وخاصة النساء اللواتي لايحترجن في الحديث معه عن أ دوية عشبية أكثر خصوصية للمرأة كأي طبيب طرقنا معه هذا الباب في ظل ازدياد نسبة التدين والاتجاه المحافظ في البلاد وقال:
كانت الحياة زمان بسيطة، في البيت الواحد كان يسكن أربعة إخوة متزوجين فيه، الآن عيب، حرمة الأخ تظهر على الأخ الآخر، الآن زادت العقد أكثروا هذا بسبب انفتاح المدينة على كل التيارات، زمان كنا مثل الأهل.
في الستين من العمر
حدثنا عن أسرتك وأولادك ومدى رغبتهم في العمل في مهنة العطارة؟
ـ أولادي والحمدلله منهم المهندس المعماري كلهم أكاديميون، رفضت أن يعمل الكبير منهم في مهنة العطارة خوفا من أن يصبح ضحية مثلي، أنا ضحيت في هذه المهنة بعمري وعلّمت إخواني الستة والحمدلله، ولكني مازلت أتساءل: ماذا عني أنا ؟ أنا المنحشر في هذا الدكان الصغير القديم وعرفانا بدوري تنازل إخواني لي عن الدكان وأعترف لك أننا أهل عدن مش حق دكاكين؛ لأنها مهنة متعبة لهذا أبعدت أولادي عن هذه المهنة لينطلقوا بعيدا في أعمال أرقى واريح.
بدأ حديثه مؤثرا وإنسانياوقد بلغ الستين عاما، حينها تذكرت قول الشاعر المعروف في اليمن وعدن وهو د. محمد عبده غانم ( رحمه الله ) حين قال في قصيدة له بعنوان “ في الستين:
ستون ماأنت يا ستين إنذار
أن الردى قادم والعيش إدبار
وأن تشرين عن كانون حدثنا من بعد
ماغاب في نيسان آيار
إلى أن يقول:
لم تبق إلا سويعات نعد بها
عد البخيل إذا ماضاع دينار
قطع صمتنا الإنساني دخول عدد من النسوة ورجل لتشتري إحداهن “ فاسوخ “ والأخرى “حلتيت” أما الرجل المتمنطق بطاقية “ زنجبارية “ عدنية اشترى دون جدل بعض حاجياته بمئة ريال وقال أنا اقدر ظروف الناس أعطيهم قياس فلوسهم ولا أردهم وأخذ الرجل حاجياته ورحل.
غادرنا الدكان ورائحة الزمن العدني تتداخل مع مشاعرنا, ونحن نستذكر بعض مفردات الأمهات حين يعتل أحدنا لتقف حائرة بين خواء محفظة اليد وأجرة الطبيب لتختار على التو ذلك العطار بميزانه وخيوطه المعلقة وكلماته المطمئنة.

استطلاع : محفوظ احمد عبدالفتاح
تم الإعلان عنها كمحمية برية طبيعية في العام 2006 ومحمية برع لوحة إلهية بديعة بطبيعتها الخضراء وبجمالها الساحر والتي تحتضن في ثناياها مخزوناً طبيعياً ، ينتشر في اتجاهاتها المختلفة وبمحتوياتها الفريدة، الممتدة بطول خمسة كيلو ونصف، وبارتفاع جبالها الشاهقة التي تحتوي غابات برع بارتفاع من 2700 إلى 3000 متر، وتغطي أشجارها الباسقة ونباتاتها الكثيفة مساحتها الجبلية من أسفل جبل إلى أعلى جبل من شمالها إلى جنوبها.
لكونها أغنى مناطق اليمن من حيث التنوع البيئي والبيولوجي كما تحتوي على كثير من الحيوانات النادرة المستوطنة والمهاجرة فقد اكتسبت أهمية وطنية وعالمية، فحيثما سرحت الأبصار فيها لا تقع العين إلا على لوحة سندسية خضراء بديعة التكوين مازالت بكراً كما أبدعتها يد الخالق بما تحويه من أشجار زاهية و نباتات خضراء، تتناغم حفيف أوراقها مع هدير المياه المنحدرة من أعلى قمم الجبال على مدار العام، حيث تذهب بخيال المرء بعيداً خارج حدود الزمان والمكان، فينتعش الذهن وصاحبه يستنشق هواءً صافياً عليلاً منزهاً من ملوثات العصر ، و محمية برع ثروة طبيعية بما حباها الله من تنوع حيوي والتي يمكن أن تكون مرتكزاً لتنمية المناطق المجاورة لها، ومصدراً من مصادر الدخل .
الموقع
تقع محمية جبل برع الطبيعية في محافظة الحديدة مديرية برع في الجنوب الغربي من مدينة رقاب في وادي رجاف الواقع في الناحية الغربية من منطقة مرتفعات برع الجبلية و التي تقع شرق مدينة الحديدة على بعد حوالي ( 50 كيلومتراً)، وعلى بعد حوالي (20 كيلومتراً) من الطريق الرئيسي (الحديدة - صنعاء) .يحدها من الغرب وادي سهام ومنطقة الخليفة والقطيع والمراوعة ومن الجنوب وادي الأسود وقرى خراشة ومدينة السخنة السياحية الاستشفائية ومن الشرق قرى الجيلان وسلسلة من الجبال الشاهقة ومن الشمال عزلة بني باقي والفاش والمنوب وبني سليمان. وترتفع محمية برع بحوالي ( 300 - 800 متر) عن مستوى سطح البحر.
المساحة
تبلغ مساحة محمية برع حوالي ( 4100 هكتار)، ويبلغ طول المحمية حوالي 5 كيلومترات ابتداء من منطقة سوق السبت نزولاً حتى منطقتي قريتي الكاحل والمرخام ، ويبلغ متوسط عرض المحمية حوالي ( 40 متر) ، وتقع المحمية في مناطق سفوح التلال التهامية، ويمكن الوصول إلى المحمية بسهولة عبر طريق مرصوف بالإسفلت يمتد من المنصورية إلى السخنة ثم إلى المحمية أو عن طريق آخر يصل المحمية ببلدة القطيع الواقعة على طريق (صنعاء- الحديدة).

1 - التنوع النباتي :
تتميز محمية برع بتنوع نباتي وحيواني، حيث تمثل محمية برع آخر وأهم بقايا الغابات الاستوائية التي كانت سائدة في الجزيرة العربية وتسودها نباتات الإقليم السوداني وقليل من نباتات الإقليم الصحراوي، ويقدر الخبراء عدد الأنواع التي تنمو في أراضي المحمية بـ315 نوعاً تتبع 83 فصيلة و209 أجناس ويشكل هذا العدد حوالي 15 % من إجمالي تنوع النباتات في بلادنا.. منها 63 نوعاً نادراً على المستوى الوطني والإقليمي و85 نوعاً مهدداً بالانقراض كما تم تسجيل ثمانية أنواع نباتية متوطنة وموطنها الأصلي هي محمية برع فقط وأهم تلك الأنواع هي نبات القطن، البياض و نوعان من الصبر.
كما تتميز مديرية بُرع بزراعة البن والزنجبيل وإنتاجها أفضل أنواع البن المسمى بالبن البرعي.والتنوع الحيوي الفريد الذي تتميز به غابة برع جعلها متحفاً للتاريخ الطبيعي، فإلى جانب تواجد شجرة (البرطم) بشكل يشد الانتباه، فإن الغابة تحتضن عدداً من الأشجار والنباتات النادرة أهمها: العرفط، خرمش، كمب، بياض طنب، مداخ، أذخر، ضبر، إلى جانب شجرتي يزاغ وعتم.
2 - التنوع الحيواني :
أما التنوع الحيواني الذي يوجد في غابة برع فهناك العديد من أنواع الحيوانات التي استطاعت البقاء رغم التهديدات المتواصلة التي تواجه المحمية حيث يعيش في الغابة بحسب بعض الدراسات 9 أنواع من الثدييات كالذئاب والثعالب والضباع والنمور والأسود والوشق وقرود البابون والقط البري.
3 - تنوع الطيور والزواحف :
يوجد في محمية برع أكثر من 90 نوعاً من الطيور وهناك انواع منها مهددة بالانقراض وبعضها انقرضت،ويوجد مجموعة من الطيور النادرة مثل الحمام البري والحسون اليماني ونقار الخشب والحمامة المطوقة وطائر الزرياب والزر زور الأسود والنساج وجاكرا والتميز اللماع والكوكالو والكوكو والعقاب.. ويوجد في المحمية أيضاً 13 نوعاً من الزواحف مثل الثعابين والسلاحف الصغيرة ، منها أربعة أنواع متوطنة في الغابة، إلى جانب خمسة أنواع من البرمائيات و60 نوعاً من الفراشات النادرة المستوطنة بالمحمية.
يذهب معظم المؤرخون أن الحضارة اليمنية من أقدم الحضارات الإنسانية والمعمارية في العالم الضاربة في التاريخ نحو سبعة آلاف عام نضح اليمنيون خلالها ما أمكنهم من إرث ثقافي وفني وبصري وفلكلوري فريد, كما وفتحت مدنهم العامرة بالفن والرقي والمدنية ذراعيها للقادمين لكل جميل قادم من تراث الأصقاع المحيطة باليمن السعيد , مع الاحتفاظ والتجديد بالأصيل والمتجذر بأنماطه المتناغمة مع المناخ والحدث والفكر اختزله اليمنيون في مدنهم في قوالب حضارية بالغة الرقي والجمال والاعتراف بالآخر في صور تنوع العادات واللهجات والأزياء والحلي ولوازم الفرح والحزن والحب ..

ما أن يظهر رجل يمني على قناة فضائية إلا ويدرك هويته العالم بأنه يمني , هذا التفرد وتلك الخصوصية لم تأت إلا من قوم اتصلت جذورهم الحضارية بسحيق الزمن وتمسكوا بتراثهم جيدا حتى الساعة , فالجنبية هذه المعشوقة الممشوقة ما اتفكت تشغل حيزاً عظيم الشأن في وجدان اليمني من ناحية وما تضفيه على شخصيته لمن حوله كبطاقة تعريف , ناهيكم عما تلعبه صناعة الجنابي من دور اقتصادي وثقافي بالغ الأثر والتفرد لدى العاملين في صناعتها وبيعها , هذا التحقيق يسبـر أغواراً أخرى تكشف أسرار الصناعة وجذورها وروادها ومصادرها وأنواعها ومخاوف زوالها وكينونتها العريقة ..
تاريخ
تشكل الجنبية جزءاً من خصوصيات ومكونات هيئة الرجل اليمني وهيبته منذ القدم كما هو واضح في تماثيل ومنحوتات التاريخ السبئي والحميري .. فهي تضفي عليه نوعاً من الاكتمال الرجولي كما هو شائع في العرف الاجتماعي .. وأيضا موقعها التاريخي الطويل من تراتيب الزي اليمني .. ودلالتها على عراقة الأسرة اليمنية كونها زينة وسلاحاً ثميناً متوازناً وكلما زاد عمرها ازدادت قيمتها ووجاهة من يمتلكها كشخصية اجتماعية تنسب لأسرة عريقة .. فهناك مقولة تقول : (الرجل اليمني أغلى رجل في العالم).
ففي صدره جنبية تتجاوز قيمتها 2 مليون ريال وفي حال تعرضه لمصيبة يمكنه بيعها أو رهنها للحصول على المال اللازم الذي يخرجه من المأزق.
وسيلة
وهي وسيلة دفاع أولى عن النفس كسلاح أبيض فتاك وهي الوسيط لحل النزاعات .. حيث تبرز كعنوان للوجاهة والاعتراف بالخطأ أو الإقرار بالمشكلة التي تطلب عدلاً مفوضاً للسماع لطرفي النزاع والحكم فيه بموجب ( العدال، الجنابي ) التي تدل على الرضا بما يحكم والقبول بمنطوقه.
وجاهة
يرى البعض أن الجنبية تضفي على صاحبها قدراً من الوجاهة جاءت كعادة اجتماعية متوارثة يرجع أصلها إلى ثمن الجنبية ومكانتها العالية لدى ممتلكات الشخص , كما ويلعب نسبها في سعرها ووجاهة من يمتلكها في حال انتقلت ملكيتها إليه من شخص ورثها عن أب , عن جد رفيع المقام .
وعن مخاوف تلاشي اقتناء الجنابي وبالتالي صناعتها في اليمن يشير الأخ فؤاد المجاهد أحد صناع وباعة الجنابي في تعز أنها لا زالت سارية بل هناك تطور وتمسك كبير بهذه العادة الاجتماعية والقبلية ، فالجنبية عنوان لمكانة الرجل الاجتماعية .. فأول ما يدخل الرجل أي مجلس ( في المجتمع اليمني ) تتجه أبصار الناس إلى صدره وإلى موضع رأس الجنبية ( قرن النصلة ) لكن في البلدان الأوروبية تتجه الأنظار إما إلى ربطة العنق ( الكرفته ) أو إلى الجزمة أو التسريحة أو أي شيء آخر من مفردات الموضة .. ومن هذا المنطلق .. يحدد نسب ومكانة الشخص .
أشهر الجنابي
وهل اشتهرت جنابي معينة ونسبت إلى شخص أو أسرة أو قبيلة؟
ـ هناك جنابي مشهورة بنسبها إلى قبيلة أو إلى شخصيات اجتماعية مرموقة توارثتها المشيخة أو الوجاهة وتكون هذه الجنبية جزءا من مكونات وسمات شخصية صاحبها .. ولعل أبرز ما سمعت به في صغري هو أن أشهر جنبية هي جنبية (راجح بن سعد) وهو أحد مشائخ اليمن من حاشد .. وكانت من أشهر الجنابي اليمنية.
ويقال إنه (أي راجح بن سعد) في نهاية عمره قال : ( أخشى أن يفتتن الورثة من أولادي على الجنبية ) فأهداها للإمام يحيى ، وهذا ما نعرفه .. وهناك جنابي أخرى مشهورة تنسب إلى بيوت يمنية مختلفة .. كجنبية بيت زهرة، جنبية بيت العاضي ، جنبية بيت الأحمر (جنبية الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر) وجنبية الإمام شرف الدين المتوكلي والناصري وغيرهم.
صناعة الجنابي
حالياً .. ما واقع صناعة الجنابي كمهنة ، ومن أين اكتسبت احتراف هذه المهنة؟
- ما زالت مهنة صناعة الجنابي قائمة ومزدهرة بمختلف أجزائها .. فمهنة صناعة الجنبية لا تقتصر على شخص يفتح مشروعاً صغيراً للجنابي فهي متشعبة فهناك من يصنع رأس الجنبية ( القرنِِ ) ومنهم من يصنع النصال ( الخنجر ) .. ومنهم من يقوم بحياكة وصناعة الأحزمة .. وبالتالي فهي مهنة واسعة تشغل الآلاف من الأيدي العاملة ومهنة بحاجة إلى دعم ورعاية الحكومة ..
وبالنسبة لمهنتي فهي تقتصر على صناعة رؤوس الجنابي وصناعة وصقل النصال المتميزة ذات الجودة العالية وفق المعايير الأصيلة الموروثة فقد اكتسبت هذه المهنة من والدي وأعمل فيها منذ طفولتي .
رواد الصنعة
كنت قد التقيت سلفا في سوق الجنابي بصنعاء القديمة شاب يدعى محمد العزيري نجل عاقل سوق الجنابي هنالك وأخبرني أنها مهنة متوارثة ، وقد أدى التوارث إلى شهرة أسرتهم ( بيت العزيري ) في صناعة الجنابي منذ دخول الجد الأول العزيري صنعاء القديمة قبل ألف سنة .. وكان أصله من حاشد من بيت العزيري في عمران .. هاجر إلى صنعاء واحترف مهنة الجنابي فتوارثها أبناؤه وأحفاده أباً عن جد وخلفاً عن سلف، وصارت بعض الجنابي تنسب الآن باسم الجنبية العزيرية، حيث استطاعوا تطوير بعض جوانب صناعتها من خلال الخبرة الطويلة والاستفادة من التقنية الحديثة .. فتجد أن جنبية بعمر 25 سنة تعادل جنبية بعمر 400 سنة .. والإشارة هنا إلى أن صناعة الجنبية تقدمت .. فهناك جنابي بيعت قبل خمس وعشرين سنة بـ 5000 ريال وبـ 10000 ريال يدفعون بها الآن ملايين.
مسميات الجنبية
ما هي مسميات الجنبية وتحديداً رأس الجنبية ( المقبـض)؟
- من مسميات الجنبية : الرأس الأسعدي وهي النوع الحديث من حيث الصنع الذي مر عليه فترة قصيرة من تاريخ صناعته .. وسميت بالأسعدي نسبة إلى أحد المشاهير في اليمن في صناعة الجنابي يقال له (أسعد).
أما الصيفاني فهي التي تجاوزت مئات السنين وتفوق الثلاثمائة سنة .. وسميت باسم صانعها من بيت الصيفاني فالمسميات هنا تدريجية.. والآن توجد الجنبية العزيرية نسبة لجدنا الذي ذكرته سابقا .. إلى جانب مسميات أخرى كالكرك المصنوع من قرن الثور والمصنوع من ناب الفيل وهو نادر ما يستخدم لصلابته وصعوبة تشكيله ونحته.
أنواع الجنابي
وماذا عن أنواع الجنابي بالنسبة للشكل وما تفضله المناطق؟
- هناك الجنبية المفتوحة ذات الرأس المقرن باتجاهين ويفضلها أبناء حاشد وتسمى أحيانا الحاشدية ، وهناك (الدبعا) خفيفة التقرين ويفضلها أهل خولان وبني حشيش .. وهناك المربوعة ويفضلها أبناء صنعاء وبعض المناطق الجبلية.. لكن هناك تسميات أخرى تتعلق بمناطق صناعتها مثل الجنابي الماربية والحضرمية والبيضانية والحريبية وتتميز النصال أو الجنابي الحضرمية بالعراقة والرصانة في شكل رأسها وجوهر نصلها .. وهذا راجع إلى ما تميز به الحضارم من تاريخ تجاري إلى الهند والصين والشرق الأقصى حيث كانوا يجلبون أجود الحديد الذي تصنع منه النصال، وأجود قرون وحيد القرن من الهند وما جاورها بالإضافة إلى مهارتهم في الجانب الصناعي.. وهناك مناطق لا يرى في الجنبية جدوى إذا لم يكتمل رأسها ونصلها .. أي تكون (سلتها) جيدة حادة وفتاكة .. ومنهم من يهتم بالنصل فقط دون الرأس .. ومنهم من يهمه منظر الرأس القرن دون النصل .. وهكذا.
النصل الحضرمي
كل حديثنا السابق يدور حول مقبض الجنبية أو قرنها .. ماذا عن صناعة النصل الحديدي اللامع أو المصقول؟
النصل الحديدي و(العسيب) غلاف الجنبية أو غمدها وكذلك الحزام .. هذه مراحل مكملة لصناعة الجنبية؛ فنصل الجنبية عبارة عن قطعة معدنية حديدية حادة وتكون على شكل مثلث طويل منحني في وجهيها خط مجوف للأعلى ، ومن أنواع النصال الحضرمي والجوبي ، والعدني، والزنك، والمبرد، وتلعب النصلة دوراً كبيراً في تحديد قيمة الجنبية، وأبرز مناطق صناعتها رداع وصنعاء ، وذمار وحضرموت وغيرها من المدن اليمنية.
وتتم صناعتها بطرق يدوية هي الطرق والسحب والصقل والتلميع ولتثبيت الرأس بالنصل يتم صب اللحام الذي يتكون من اللبان والرماد والزيت في مبسم الجنبية وهو الذي يربط بين الرأس والنصل ويصنع عادة من الفضة .
الغمد
أما الغمد أو العسيب أو ما يسمى بجراب الجنبية فيصنع من خشب العشار - أو الطنب- وغيرها، والأغمدة نوعان حاشدية ، وتشبه حرف اللام .. وبكيلية وتشبه حرف الراء وهو ما يسمى (بالتوزة) ويقتصر لبسه على القضاة والعلماء.
الأحزمة
أما الأحزمة التي تظهر من خلالها قدرة اليد العاملة اليمنية التشكيلية والإبداعية فتتعدد أنواعها فمنها الأحزمة المتوكلية والكبسية والطيرية والمركزية والمرهبية وغيرها وغالباً ما يتم حياكتها وتجهيزها في معامل في البيوت ثم إخراجها للسوق. وفي السنوات الأخيرة طغت المكائن الكهربائية لزخرفة الأحزمة وبالمقابل تراجع المشاغل اليدوية وندراقتناء الخيوط الذهبية والملونة الممتازة إلا بحسب الطلب وبالسعر المكلف الذي قد يصل إلى ثلاثين ألف ريال . بينما يتدنى ثمن الحزام المعمول ميكانيكياً إلى ألف ريال فقط.
مصادر القرون
ومن أين يجلب هذا القرن؟
- هذا لا يوجد في اليمن وإنما يوجد في قارة افريقيا وكان يأتي بصعوبة في السابق ، حيث كان أكثر المهاجرين يتجهون إلى القارة الافريقية من الجزيرة العربية ومن اليمن تحديدا وعندما يسكن هناك عدة سنوات يعود إلى اليمن ولا شيء أثمن أو أغلى كهدايا من قرن وحيد القرن فكانت تدخل كميات كبيرة .. ومنه تم صناعة قرن الجنبية (المقبض) ولا يستخدم لهذا الغرض في الدول الأخرى لأن الجنبية خصوصية يمنية ، وإن كان يستخدم كمقابض للسيوف والخناجر والأواني أو أواني خاصة بالملوك نظرا لسره العظيم حيث تدور حوله قصص كثيرة ومنها امتصاص السم من إناء الطعام.
جاذبية
الهذا فقط تم اختيار وحيد القرن في صناعة مقبض الجنبية؟
- ليس لهذا السر فحسب بل جماله واستمرار رونقه وسحره وازدياده مع تقادم عمره فكلما طال عمره وزاد تلميعه بالغبار الناعم مثلاً كلما زاد نصوعا وشفافية وظهورا لعروقه أو خلاياه الداخلية الشفافة.. ويرجع هذا الاستخدام إلى آبائنا وأجدادنا القدماء فنحن نواصل هذا الاستخدام دون البحث عن علة كهذه .. وإنما أقرب تعليل هو جمال وجاذبية ورونق هذا النوع من قرون الحيوانات وهذا أقرب التفاسير.
اتفاقية دولية
وهل تستطيعون الآن استيراد قرن وحيد القرن أم أنه محظور؟
- أنه محظور حاليا لأن اليمن صادقت على الاتفاقية الدولية لحماية حيوان وحيد القرن من الانقراض والتي بموجبها يحرم اصطياده .. وبالتالي فنحن لا نعمل ولا نستخدم إلا الأجزاء المتبقية والنادرة الوجود هنا أو هناك إلى جانب عملنا على إعادة إصلاح ومعالجة رؤوس الجنابي الأصلية وبيعها.
ونتمنى من الحكومة أن تطالب الجهات الدولية القائمة على هذه الاتفاقية بالسماح لليمن بالحصول على كمية معينة سنويا أسوة بالصين وتايلندا ودول أخرى تحصل على كميات هائلة من هذه السلعة الثمينة .. وربما بعض الدول مرفوع عنها حظر اصطياد وحيد القرن.
مشاكل البيع والشراء
ما المشاكل التي تواجهكم في بيع وشراء الجنابي ؟
- نحن لا نشتري إلا بضمين وقد حصلت كثيراً من القضايا ووصلنا للمحاكم ولكن للأسف ، رغم احضارنا للضمين والشهود وأحيانا البائع الذي اشترينا منه .. لم ينفع هذا فقد وقعنا ضحية بأن سلمنا الجنبية لصاحبها المدعي وظلت القضية معلقة ونحن الخسرانون في كل الأحوال لأن أصعب شكوى أو مشكلة هي التي تتعلق بالجنابي لأن هناك جنبية بخمسمائة ريال .. وجنبية بـ30 مليون ريال وقد ساهم عدم وعي المواطنين ومعرفتهم بالمغالطين في تزايد الظاهرة.
وقد حذرنا أكثر من مائة مرة بعد الشراء من أي بائع متجول، وكذلك حذرنا المواطن أن لا يخرج جنبيته في مكان عام أو يبايع بها .. لكن من يوصل رسالتنا.
غياب القانون
كيف يتم اكتشاف الجنابي المغشوشة؟
- هذه العملية سهلة ولا تصعب على أصحاب المهنة فكلٌّ في مهنته سلطان، فعملية الغش كما ذكرت لك سابقا تتم من خلال التمويه وعمل ثغرات بواسطة الإبرة والذي ما يعرف الصيفاني الحقيقي يوهم بأن هذا القرن هو الصيفاني، لذا نحن ندعو الدولة إلى الالتفات بجدية للباعة الجوالين والنشالين ومعاقبتهم ، ونطالب الحكومة بوضع قانون ينظم هذه المهنة ويجرم كل من يمارس عملية الغش والمغالطات وإلزام الباعة المتجولين بعمل ضمانات كافية أو محلات معروفة حتى لا تتكرر وتتوسع هذه الظاهرة وتعصف بالمهنة.
غش
ما هي الطرق أو الخصائص التي من خلالها تتعرفون على ملامح الجنبية الأصلية؟
- ملامح الجنبية لا تتطلب إلى طرق علمية بل تتطلب إلى خبرة في الجنابي القديمة .. فالجنبية الأصلية تعرف بقدمها والمادة المصنوعة ونحن نتحدث عن رأس الجنبية- من قرن وحيد القرن ، وهو أضخم وأغلى حيوان .. وقرنه سلعة صارت أغلى من الذهب بل محضور الحصول عليه.
عصابات
لكن تنتشر الآن وخصوصا في السنوات الأخيرة- عصابات الغش والتزوير بل والمغالطات في الجنابي وهذه القضايا واضحة وقد وقع ضحيتها مواطنون كثر .. بالذات في صنعاء القديمة .. كيف تفسرون ذلك؟
- هذه الظاهرة صارت خطراً يهدد المهنة وينزع الثقة من أصالة الجنابي .. خصوصا وأصحاب الخدع والمغالطات محترفون ليس في التقليد من خلال الصناعة لرؤوس الجنابي من مواد بلاستيكية ولحام بارد أسود صناعي واستخدام ألوان وهمية وتخطيط القرن بالإبرة وعمل ما يشبه الشعرة بل محترفون أيضا في إقناع الناس بالمبادلات .. حيث يقومون بالاحتيال على أي مواطن مستوى وعيه متدنٍ ولا يفهم جوهر الجنبية التي يملكها فيقوم بمبادلة أو بيع الجنبية التي مظهرها صيفاني ، وهذا أوقع ضحايا كثر .. وقد وقعنا نحن ضحية هذا النصب ليس بشراء جنابي مغشوشة بل جنابي أخذت من مواطنين بالطريقة المذكورة ، وبعد أن نشتريها يظهر غريم يطالب بها، بعد معرفتها.
تزوير الصيفاني
وللاقتراب أكثر بغرض التوضيح يكشف الأخ فؤاد المجاهد أخطر أسرار تزوير الجنابي بعد أن استل كاتب السطور جنبيته المقلدة بالنمط الصيفاني , التي اشتراها قبل عام بخمسة آلاف ريال يومها طار من الفرح واليوم كشفها فؤاد بأنها مجرد خشب مطلي بمعجون اللحام البارد مضاف عليه لون قريب من لون القرن الصيفاني وبعد الصنفرة اتعرضت لكشوط برأس الإبرة في وسط القرن خاصة لتظهر الكشوط كأنها خلايا قرن وحيد القرن , وبالطبع يصعب على الشخص العادي اكتشاف ذلك دونما التأكد عملياً من خلال خلع جزء من ظهر الرأس المستور من منطقة ماتحت الحلية الفضية أو المعدنية المستديرة .
يضيف الأخ فؤاد : أعترف بأننا مارسنا هذا التقليد لشكل الجنابي الصيفاني بغرض بيعها لمن يهمهم يلبسوا والسلام وبما لايزيد عن (5) آلاف ريال لكن للأسف استغلها بعض الباعة المتجولين ببيعها على أنها صيفاني أو عزيري بأثمان تبلغ نصف مليون , إضافة إلى أن أحد الورثة ـ مثلاُ ـ يأتي بجنبية والده أو جنبية أي ضحية آخر ممن يعرفهم ويدفع لبعض ضعفاء النفوس من زملاء الحرفة مبلغ 10 ـ 20 ألف ريال للحصول على نسخة مطابقة مزيفة ثم يسرق الأصلية ويبيعها بمليون أو أكثر أو أقل ويعيد لصاحبها المزيفة , وبعد أن بدأت تنكشف ألاعيبهم عاهدت الله أنا وأشقائي على ترك حرفة تقليد الجنابي االصيفاني وزرقنا على الله , حتى لانتسبب بظلم أحد دون أن نشعر .
جنابي الصين
إلى جانب خطورة الجنابي المزورة تتجلى مشكلة أخرى تهدد أصالة الجنبية اليمانية برمتها حسب الحرفي فؤاد المجاهد , وهو الافراط في استيراد الجنابي ذات الرؤوس البلاستيكية برتقالية اللون في الغالب وهي الواصلة من معامل في الصين يستوردها التجار بكميات مهولة نتيجة رخص ثمنها البالغ 2 ـ 4 دولار فقط والتي انخدع الكثيرون بها واشتروها بأكثر من ذلك رغم سذاجتها ولونها وخامتها البلاستيكية الحقيرة .
الجمارك
هاتفنا الأخ محمد عبدالله عثمان مدير جمرك محافظة تعز لمعرفة المزيد , فأجاب : كنا في السابق نسمح بجمركتها لغياب قانون خاص يحظر استيراد الجنابي لكننا هذا العام منعنا ذلك تلبية لسماعنا عزم وزارة الصناعة والتجارة سن قانون يحظر دخولها البلد كونها تهدد الصناعة التقليدية للموروث اليمني غير أننا ـ رسمياً ـ لم نتلق تعميماً مؤكداً ومدعماً بنص قانوني صريح للجنابي بالتحديد .
ملف أعده ـ عارف الشماع
خبير الآثار عبدالحكيم شائف
لصوص المقابر عبثوا بأكثر
من 100 مومياء يمنية في المقابر الصخرية
تم ترميم عدد من الموميات في قسم الآثار
بحامعة صنعاء لكنها لم تدرس أو تؤرخ علمياً

المومياوات تمثل موروثاً تاريخياً وحضارياً لبلادنا وقد توالت العديد من الاكتشافات للمقابر الصخرية والكهوف في مناطق شبام الغراس والأهجر وشعوب وغيرها في محافظة المحويت ولكنها لم تعطي حقها من الدراسات والتحليلات العميقة ويرى الدكتور عبدالحكيم شايف الأستاذ المشارك بقسم الآثار بجامعة صنعاء أن الاكتشافات لم تكن علمية بالمعنى المنهجي ولكن أغلبها كان عن طريق الصدفة.
اكتشاف الموميات عام 1983م
وقال : بالنسبة لاكتشاف مومياوات في منطقة الشرق الأدنى القديم وبالتحديد في المنطقة الجنوبية الغربية من الجزيرة العربية وبالذات اليمن يعتبر ثاني اكتشاف لممارسة التحنيط في التاريخ القديم بعد الحضارة الفرعونية.
وإذا عدنا إلى المصادر التي ذكرت وأشارت إلى وجود بعض الجثث المحفوظة يأتي شيخ المؤرخين الهمداني كأول مصدر يذكر بعض الإشارات التي توحي بأنه كان يتم الحفاظ على الجثة عن طريق التحنيط ولكن كثيراً من هذه الروايات التي جاءت عند الهمداني أو عند وهب بن منبه في كتاب التيجان أشبه كثيراً بالطابع الأسطوري، وإذا عدنا إلى المصادر التي ذكرت التحنيط فهي لم تبدأ إلا باكتشاف مومياوات شبام الغراس في أكتوبر 1983م ولكن لا يعني ذلك أن هذا هو التاريخ الدقيق لاكتشاف مومياوات في اليمن بل إذا عدنا إلى تاريخ الاكتشاف الأثري في اليمن فهناك ذكر في كتاب قتبان اندشيبا وهو الكتاب الذي كتب بعد ما قام وندل فلبس بحفرياته في معبد أوام في مأرب وأيضاً في مدينة تمنع العاصمة القتبانية وعثر في كلا المقبرتين على بقايا نسيج متفحم ومواد راتينجية كانت تستخدم في الحفاظ على الجسد أما الاكتشاف الفعلي فهو الاكتشاف الذي تم في أكتوبر عام 1983م في منطقة شبام الغراس وكان بالصدفة وعلى إثر هذا الاكتشاف تشكل فريق من قسم الآثار برئاسة الدكتور عبدالحليم نورالدين رئيس القسم وبتوجيهات رئيس الجامعة وعميد الكلية وقام هذا الفريق بحفرية إنقاذية للمقابر في شبام الغراس وتم إنقاذ بعض المومياوات التي تم تدميرها من قبل المواطنين الذين كانوا يبحثون عن المجوهرات ظناً منهم بأنهم داخل هذه الجثث، خلال هذه الحفريات وعلى عمق (60) سم تم اكتشاف مومياء واحدة سليمة ومكتملة وتم إنقاذها وأخذها إلى قسم الآثار في جامعة صنعاء وعلى ضوء ذلك صدرت توجيهات باستدعاء فريق من هيئة الآثار المصرية للقيام بصيانتها وترميمها.
وعلى إثر ذلك تم تخصيص الغرفة رقم واحد في المتحف الذي أنشىء في تلك الفترة كمتحف تعليمي لقسم الآثار وحظي ذلك الاكتشاف باهتمام الدولة ولكن اكتشاف التحنيط في اليمن لم يقابل ذلك الصدى والاهتمام من قبل الباحثين سواء في تاريخ حضارة الشرق أو بالنسبة للتاريخ العالمي واكتشاف التحنيط في منطقة اليمن لم يأت فقط كممارسة دينية أو جنائزية ولكن يأتي ببعد تقني وعلمي كبير..
عن طريق الصدفة
وعن أهمية هذه المومياوات يقول خبير الآثار اليمني عبدالحكيم شائف: قبل أن أشير إلى أهميتها أود أن أشير إلى أن الاكتشافات توالت في العديد من المناطق وإن كانت في كثير من الأحيان ليست اكتشافات علمية بالمعنى المنهجي ولكن أغلبها كان يتم عن طريق الصدفة فلو أخذنا بالتسلسل لتاريخ اكتشاف بقايا التحنيط، فالبعثة الإيطالية في 1985م عثرت على بقايا نباتات وبقايا مادة الراتنجات التي كانت تستخدم في نوع من المعالجات للجسد في مقابر المخدرة ، وفي 1991م قام فريق من قسم الآثار في جامعة صنعاء بإنقاذ بعض المومياوات في جبل النعمان في ثلا بمحافظة المحويت وكانت موجودة في مدافن كهفية وتم إحضارها إلى قسم الآثار وتعرض الآن في القاعة رقم واحد وفي 1994م قام فريق من قسم الآثار باستكشاف مدفن كهفي في منطقة حيف في المحويت ونتيجة لوجود الكهف في منطقة مرتفعة جداً تم الاكتفاء بعمل تقرير أولي وتصوير ما يحتويه من جثث محنطة وتوالت الاكتشافات في محافظة المحويت في صيغ،وبيت رحمة، وبيت النصيري وكثير من المناطق وبعد 1998م عثرت أيضاً البعثة الألمانية والأمريكية في معبد أوام على بقايا مواد استخدمت في التحنيط وفي عام 2003م وحتى اليوم توالت الاكتشافات في العديد من المناطق مثل خربة همدان في الجوف وتم العثور على مومياوات في عنس محافظة ذمار وأيضاً في منطقة شعوب والأهجر.
أما عن أهمية هذه المومياوات فهي تبرز في جانبين الجانب الأول تعكس نوعية المجتمع الذي عاش في منطقة جنوب الجزيرة لأنه عندما نقوم بعمل دراسة “انثروبولوجية”لنوعية السكان الموجودين نستطيع مثلاً أن نعرف الحالة الصحية لهذا المجتمع، أيضاً العادات والتقاليد التي كانوا يمارسونها، أيضاً معرفة التركيب الاثني لسكان جنوب الجزيرة والمعتقدات الدينية التي كانت تمارس في ذلك الوقت.
أما الجانب الثاني فيتحدد بالجانب التقني الذي كان يمارس في عملية التحنيط في هذه المنطقة.
الدراسات الأولية
وعن تميز التحنيط في اليمن عن مصر قال شائف :
إن اكتشاف المومياوات ليس في نوع محدد من المقابر وإنما في مقابر صخرية موجودة في شبام الغراس وفي مقابر كهفية في منطقة المحويت وما حولها وفي مقابر معبد أوام التي هي مقابر الممالك التي كانت في أطراف الوديان ومقابر صندوقية الشكل كما في مقابر منطقة شعوب، وهذا يعني أنه كان هناك استمرار في ممارسة التحنيط أيضاً لم يتم اكتشاف فقط تحنيط علية أو زعماء القوم أو نوعية محددة من المجتمع ولكن تشير الاكتشافات إلى أن عملية التحنيط لعامة الناس، كان هناك تحنيط للأطفال كما في شعوب وذمار وأيضاً للأقيـال وكبار السن مثل مقابر شبام الغراس وسخيم وبالنسبة للتحنيط من خلال المراجع نعرف أن التقنية التي استخدمها المصريون ثلاثة أنواع من التحنيط: التحنيط البسيط والمتوسط والدقيق، ويتم وفق مراحل معينة وتستخدم مواد نباتية ومواد مركبة ويتم على مراحل وترتكز بشكل أساسي على تخليص الجسم من السوائل.
الحاجة إلى متخصصين في المومياوات
أما بالنسبة لليمن فلم تتم الدراسة الدقيقة لمومياوات الدفن وتم دراستها من قبل متخصصين في كثير من الأمراض لكن الاكتشاف في اليمن كان يتم عن طريق الصدف ولم يتم دراستها دراسة علمية منهجية دقيقة ولكن من خلال المومياوات التي تم فتحها، وجد أنه كان يتم شق البطن واستخراج الأحشاء ووضع بعض المواد النباتية مثل نبات “الراء” الذي يساعد على امتصاص السوائل التي يفرزها الجسم بالإضافة إلى وضع مواد أخرى سواء داخل الجسم مثل الصبر أو المر أو القار أو الزفت وتقويته بنوع من الخشب الملفوف بنوع من الكتان حتى يبقى شكل التجويف البطني كما هو بالإضافة إلى مواد كان يتم بها تغطية الجسم مثل مادة الراتنجات وهي مادة قريبة الشبه من مادة اللبان وفائدتها تعمل على الحفاظ على المواد العضوية بالإضافة إلى أن هناك ومن خلال العينات التي تم أخذها من منطقة شبام الغراس وتم تحليلها وجدت مواد معدنية كثيرة مثل الزنك ومواد مركبة يتم استخدامها لم يعرف بالتحديد مقاييسها أو نوعيتها ولكن فائدتها كانت أيضاً تساعد في جفاف الجثة وبعد ذلك يتم تكفين الجثة..
وإلى الآن لا نستطيع عمل مقارنة بين التحنيط في اليمن أو التحنيط في مصر لأننا سنظلم الحضارة اليمنية والسبب في ذلك أنه في مصر بدأت الاكتشافات منذ وقت مبكر وتم اكتشاف المقابر من خلال علماء آثار وبالتالي تم اكتشاف هذه الجثث اكتشافاً علمياً وتم رفعها بطريقة علمية، وهذا ساعد على دراستها دراسة دقيقة، ولكن في اليمن لم يتم إلى الآن إلا اكتشاف جثة محنطة واحدة بطريقة علمية من قبل قسم الآثار على الرغم من أن المقبرة فتحت قبل سنة تقريباً، وهذا يعني أن نابشي القبور هم الأسرع إلى هذه المقابر، وهذا لا يساعد المختصين على دراسة وضع الجثة ودراسة إذا كان هناك تركيب لنوعية الأثاث الجنائزي بجانب الجثة، أيضاً دراسة نوعية الاختلاف في عملية التحنيط وفي التكفين نفسه لأن كل خطوة تفسر مرحلة معينة ولكن الظاهر إلى حد الآن أن هناك تشابهاً بين الحضارة المصرية واليمنية من حيث شق البطن واستخراج الأحشاء وأيضاً تجفيف الجسم وهو القاعدة الأساسية للتحنيط بالإضافة إلى شيء مهم جداً..
هناك تشابه بين التحنيط في اليمن ومصر
ماذا عن المواد المستخدمة في التحنيط عند اليمنيين وهل هي نفس ما استخدمه الفراعنة؟
اليمنيون كانوا يتاجرون بمواد مهمة كانت لها علاقة قوية بممارسة الطقوس الدينية سواء في المقابر أو في الدفن مثل اللبان والبخور والمر وهذه تستخدم في علاج كثير من الأمراض إلى جانب أنه يوجد عندنا شاهد قبر لتاجر معيني مدفون في منطقة الجيزة في مصر وهذا التاجر كان يقوم بالمتاجرة بهذه المواد من جنوب الجزيرة إلى اليمن، ويلاحظ في الجانب الاثنوغرافي في أن اليمنيين إلى اليوم مازالوا يستخدمون في بعض المناطق مادة اسمها الحنوط وهي مادة أو عبارة عن تركيب مجموعة من المواد مثل الصندل والحناء والعنبر ويدهن بها الجسم للحفاظ على الجثة، وهذا نوع من التقليد القديم لكن القول بأن هناك تشابهاً بين الطريقة اليمنية والمصرية يحتاج منا إلى دراسة متعمقة.
تاريخ التحنيط
هل يمكن تحديد تاريخ التحنيط في اليمن؟
تاريخ التحنيط في اليمن لا نستطيع أن نحدده بتاريخ معين ولكن هناك تاريخ تم القيام بعمله بالنسبة لمومياوات شبام الغراس في معامل “بيتا” في فلوريدا بأمريكا وإعطاء تاريخ 280 قبل الميلاد أي في القرن الثالث قبل الميلاد في فترة الدولة السبئية وقام الفرنسيون بتحديد تاريخ عينات لمواد مستخرجة من مقابر الصيح في المحويت وأعطته تاريخ 765 قبل الميلاد وهي من حيث التاريخ تأتي بعد شبام الغراس.
ويقول الدكتور شايف: لقد نشرت دراسة باللغة الإنجليزية لعضو هيئة التدريس بقسم الآثار د. عبده عثمان غالب،وجفري بلاكلي وهما عضوان ضمن فريق المسح الأثري في الجوية 1982م التابع للمؤسسة الأمريكية لدراسة الإنسان، في دورية “NEWS LETTER” حولية المؤسسة الأمريكية لدراسة الإنسان “ASOR” لم يكن أحد يعرف أو قد كشف عن أي أدلة أثرية لأجساد محنطة في أي من حفريات المقابر أو مظاهر النبش التي تطالها، ولكننا لو عدنا إلى نتائج الحفريات المبكرة للبعثة الأمريكية في خمسينيات القرن العشرين، في كل من مقابر معبد أوام السبئية،ومقابر حيد بن عقيل القتبانية، نجد مؤشرات على العثور على بقايا مواد استخدمت في الحفاظ على جسد المتوفى حيث عثر على نسيج متفحم، وبقايا صمغ راتنجي، على الرغم من أنه لم يعثر على دفنات كاملة مكفنة أو حتى بقايا كبيرة من دفنات كانت محفوظة بسبب تعرض المقابر للنبش منذ القدم .
لصوص المقابر
ويواصل خبير الآثار اليمني عبدالحكيم شايف حديثه: خمس مومياوات، كشف عنها بالصدفة مؤخراً في (مدينة موتى) مقبرة صخرية تقع بالقرب من صنعاء في (شمال اليمن) ولمئات من السنين عرفت بلاد مصر بأنها الموطن الوحيد للمومياوات في الشرق الأدنى، ومع عدم وجود الأدوات المعدنية والحجرية ( الأثاث الجنائزي ) كالفراعنة فإن هذه الخمس المومياوات تعد واحدة من أهم المعثورات الأثرية التي تم اكتشافها مؤخراً في اليمن.
فعلى بعد 25كم شمال شرق العاصمة صنعاء تقوم خرائب مدينة شبام الغراس (والتي عرفت قديماً بشبام سخيم) في القرن الأول والثاني عرفت هذه المدينة كواحدة من أهم القوى في اليمن، وبعد تدميرها في القرن الثاني من هذا العصر ظلت أسطورتها باقية تتردد في التاريخ العربي.
شبام الغراس أقيمت عند أقدام سلسلة جبلية وعرة، حيث اكتشف لصوص المقابر ما بين 50 / 100قبر منحوت في الصخر خلال القرون الماضية ومع تكرار حفرها بشكل سري والعثور على أدوات مصنوعة لدرجة أن نشاطات ناهبي المقابر أصبح معروفاً حتى لقسم الآثار بجامعة صنعاء. وبعد زيارة الآثاريين للموقع وتأكدهم من صحة الإشاعات، تم وضع الموقع تحت الحراسة، وفي 20 أكتوبر 1983م، تم تنظيف قبرين كانا قد نهبا بشكل جزئي بواسطة فريق من أعضاء هيئة التدريس برئاسة د. يوسف محمد عبدالله ود. عبدالحليم نور الدين من جامعة صنعاء وقد ضم الفريق ممثلين للهيئة العامة للآثار ودور الكتب الهيئة المسئولة عن الآثار في اليمن.
كلا القبرين قطعا على الحافة الصخرية وكانت مقاساتهما تقريباً العرض 2 متر مربع، والارتفاع 1.8م وكان ظاهراً على تلك القبور أنها من صنع الإنسان، ولأحد القبور ثلاث تجاويف “كوات” على جدرانها الثلاثة. ولسوء الحظ فإن محتويات هذه التجاويف قد نهبت من قبل لصوص المقابر فقد عثر على بقايا حطام تلك المواد التي أخذت داخل القبرين.
لكن في أحد القبور طبقة سمكها 0.70 سم ظلت سليمة لم تتعرض للنبش في قاع الكهف، وعندما أزال الأثريون تلك الطبقة، اكتشفت خمسة أجسام محنطة ومحفوظة بشكل جيد. علاوة على ذلك فقد احتوت الطبقات العليا التي تعرضت للنبش والخلط على بقايا لأكثر من 30 جسد، لكنها محطمة لدرجة يصعب معها التأكد إذا كانت بقايا هياكل عظمية أو أجزاء لمومياوات مدمرة.
المومياء السليمة بشبام الغراس
ويستطرد خبير الآثار شائف : لقد فحصت المومياوات من قبل فريق متخصص بالمومياوات من الهيئة المصرية للآثار: ضم د. محمد محسن ود. سمير عبدالمنعم، ود. فيصل إسماعيل وتبين أن من بين هذه المومياوات واحدة فقط كانت سليمة تماماً، ويظهر على الأخرى درجات مختلفة من التدمير والتحلل وتتكون المجموعة من أربع بالغين وواحد قاصر.. وفي كل الأحوال يظهر بأنه بعد الموت الفرد كان يجهز للدفن باستخدام نبات محلي يدعى “را” حيث يوضع بجوفه وحول البدن، وهذا النبات يعمل على امتصاص السوائل، ويؤدي إلى جفاف الجسم، كما عثر على بقايا “صبار مع أحد الأجسام، وحالياً أنه من غير الواضح وبأي حال أنه كان هناك مراحل تجهيز قبل الدفن أنجز ونفذ على الأجسام، وبعدها تلبس الأجسام بالكتان، والأحذية الجلدية، وتلف بحزام جلدي، ثم يوضع الجسد بشكل منحني “القرفصاء” وعلى جنبه الأيسر مضطجعاً على راحة يده اليسرى، وتوضع قطعة من الخشب تحت ركبته اليسرى المنثنية “ولعل ذلك لتثبيتها” وكان يلف الجسد ما بين خمس إلى سبع طيات من الكتان والجلد، وفي بعض الحالات كانت تغطى بالجلد، وتربط بلفائف من الكتان والجلد، وبعد ذلك توضع اللفائف في غرفة الدفن، وكل الأغطية والملابس الجلدية والكتانية كانت في حالة جيدة من الحفظ، ويبدو أن الكتان كان محاكاً بشكل جيد والبعض منه يظهر عليه لون أحمر مما يدل أنه مصبوغ.
ليس هناك أدلة على أنماط تصاميم في حياكة الكتان، وان الجلد مدبوغ ومصنوع بشكل جيد، وتصاميم المصنوعات الجلدية يظهر عليها غرز الحياكة، وهناك مثال جيد الحفظ وهو حذاء “مقاس طوله 26سم” يظهر جودة الإنتاج ويعكس مهارة الحر في القديم.
الأثاث الجنائزي
وعن الأثاث الجنائزي يقول شائف إنه يضم أساور جلدية، وحلقة معدنية لأصبع القدم، ورأس سهم معدني، واناء فخاري، وبعض الأدوات الخشبية وأهمها بشكل خاص الأداة الخشبية التي على سطحها نقش بحروف تنتمي لخط جنوب الجزيرة “المسند”.
وبناء على طلب القاضي إسماعيل الأكوع، رئيس الهيئة العامة للآثار سابقاً، ودور الكتب، ود. يوسف عبدالله عميد كلية الآداب جامعة صنعاء سابقاً، قامت البعثة الأمريكية لدراسة الإنسان بأخذ عينة من الكتان والجلد للحصول على تاريخ بواسطة c14 هذا التحليل عمل بواسطة معامل بيتا “Beta Analytic Inc” وباستخدام التاريخ الغير معدل يفترض ان تاريخها يعود إلى نهاية القرن الرابع قبل الميلاد أو بداية القرن الثالث قبل الميلاد تقريباً، وفي حال استخدام التاريخ المعياري “crd1982” فإن تاريخها يعود إلى حوالي القرن السادس وبداية القرن الثالث ق.م قد يكون محتملاً.
وقد أشار التقرير إلى أن اكتشاف بقايا مومياوات في اليمن شيء ذي أهمية أولاً: يعرفنا بمناطق جديدة، ولأول مرة ان التحنيط كان يمارس في جنوب الجزيرة العربية خلال الإلف الأول قبل الميلاد.
ثانياً: سوف تسمح المومياوات بقيام دراسات مفصلة من الناحية التشريحية، ودراسات للأمراض القديمة على عينات من سكان جنوب الجزيرة، كتلك التي أجريت على المومياوات المصرية.
ثالثاً: وأخيراً الدلالة النقشية، وهو نمط خط جنوب الجزيرة العربية “المسند” والذي يمكن من خلاله الحصول على تاريخ احتمالي في القرن الرابع قبل الميلاد، والمومياوات والمعثورات يتم عرضها في متحف قسم الآثار بجامعة صنعاء.
قسم الآثار جامعة صنعاء
وعن متحف قسم الآثار جامعة صنعاء يقول الخبير عبدالحكيم شائف: إنه يضم مومياوات تم العثور عليها في تسعينيات القرن الماضي في مقابر كهفية في منطقة جبل النعمان ثلا المحويت، تم ترميمها من قبل أستاذ الترميم المرحوم د.صالح أحمد صالح من جمهورية مصر العربية، وهي لم تدرس أو تؤرخ بشكل علمي، وإن كان هناك تشابه في طريقة التحنيط مع تلك التي استخدمت في مومياوات عثر عليها بحفريات إنقاذية في مقابر شعوب 1999م وتم تاريخها إلى القرن الأول الميلادي من خلال أسلوب خط المسند الذي موجود على القلادة الذهبية، كما تجدر الإشارة إلى أن المتحف الوطني يحتفظ بمجموعة من المومياوات التي تم إحضارها بشكل عشوائي من مقابر كهفية في المحويت وما زالت تنتظر حقها من الدراسة، وجدير بالإشارة إلى أن الفريق الفرنسي الذي يعمل في منطقة خميس بني سعد يقوم بدراسة مجموعة من المومياوات يحتفظ بها المتحف الوطني تم إحضارها من المحويت، وأخيراً يبدو أن تقليد ممارسة التحنيط كان شائعاً في عموم ممالك جنوب الجزيرة.

المومياوات اليمنية المكتشفة بمحض الصدفة في مقابر صخرية بمحافظة المحويت وشبام الغراس عكست مدى براعة اليمنيين في فن التحنيط منذ وقت مبكر واعتمدت على نظام خاص في المعالجات ولكن هذا النظام لازال سراً لم يفك طلاسمه بعد.. الأمر الذي يحتم على الجهات المعنية في الآثار سرعة إيفاد متخصصين في مجال المومياوات لدراسة عمرها والمعالجات المستخدمة في التحنيط ونوعيتها، فامتلاك بلادنا لهذا الإرث التاريخي والأثري رفع من رصيد اليمن وأكد عراقة الحضارة اليمنية الضاربة بجذورها في التاريخ.
البعض من الباحثين أدرك شيوع لفظ “ ميمياء” والتي يستخدمها العامة في العلاج الطبيعي لبعض الأمراض وقال إن شيوعها كمادة طبية منذ زمن طويل ربما يرجع لاستعمالهم لها قديماً في عملية تحنيط موتاهم.. المزيد من حقائق التحنيط في اليمن وأقدميته في هذا الملف أملاً في كشف النقاب عنه وفك اللغز الذي مازال يشغل الكثير من الباحثين.
التحنيط فن يمني
تعتبر المومياوات كنزاً من كنوز الحضارة اليمنية القديمة والتي دلت على مدى براعة اليمنيين في التحنيط منذ قرون عديدة وأنهم عرفوا أسرار التحنيط في فترات ماقبل التاريخ ولعل الشواهد الأثرية والتاريخية التي وجدت بمحافظة المحويت تؤكد براعة اليمنيين القدماء في التحنيط ونحت المقابر الصخرية بأسلوب هندسي فريد حيث أكدت المسوحات الميدانية لفرق الآثار سواء كانت أوروبية أو فرنسية على وجود المومياوات المحنطة والتي برهنت على قيام الحضارة الإنسانية في اليمن وعلى وجه التحديد في محافظة المحويت “كشبام كوكبان ومنطقة الأهجر والطويلة وبني سعد وحفاش وملحان التي تمتد تاريخها إلى العصور الحجرية كما دلت تلك الاكتشافات على مستوى كبير من الرقي والنهضة الحضارية والهندسة المعمارية التي نجح فيها اليمانيون القدماء.
مقابر صخرية
المقابر الصخرية المعلقة على قمم الجبال الشامخة في جبال كوكبان “ذخار قديماً” والطويلة وحفاش وملحان وبني سعد تعد معلماً أثرياً يستحق إجراء العديد من الدراسات الأثرية والتاريخية لفرق متخصصة لتحديد عمر هذه المقابر الصخرية التي نحتت في الصخر، حيث تتراءى من بعيد كأنها فتحة في عرض الجبل لايمكن الوصول إليها وعند الاقتراب منها وتسلق الجبال للصعود إليها ترى أنها فتحة مستطيلة الشكل تفضي إلى الداخل وداخل هذه الكوة فضاء واسع يحتوي على العديد من الغرف والكوات والتي استخدمت كفتحات للتهوية، كما استخدمت تلك الغرف لحفظ جثامين الموتى ويوجد في جدران تلك المقابر عدة فتحات منحوتة في الصخر استخدمها الـقدماء لحفظ الأواني والأدوات والأسلحة التي كانت توضع مع الميت، حيث كانوا يعتقدون أن هناك ثمة حياة أخرى وأن هذه الأدوات ستساعد الميت حال انتقاله إلى الحياة الأخرى.
أقدم مستوطنة في الجزيرة العربية
تعد منطقة بني سعد بمحافظة المحويت من أقدم المناطق التي استوطنها الإنسان في الجزيزة العربية حيث عثر فيها على العديد من اللقى الآثرية والتي يعود تاريخها إلى العصر الحجري وكانت هذه اللقى عبارة عن خناجر حجرية وأدوات استخدمت في العصر الحجري وتقول الدكتورة زينب حزام إن التنقيبات الأثرية في مديرية بني سعد تدل على أنها منطقة تضرب بجذورها عميقاً في أغوار التاريخ القديم فقد اكتشفت فيها آثار تعود إلى العصر الحجري القديم ولكن بداية ازدهار المنطقة يعود إلى القرن الخامس “ ق.م” وقد استمرت حقبة الازدهار في هذه المنطقة حتى القرن الثامن الميلادي لتصبح في صدر حضارة العرب المسلمين عام “ 87هـ ـ 712م” لتحتل مركز الصدارة في النهضة العلمية والدينية التي شهدتها اليمن.
التحنيط في اليمن ثاني حضارة في الشرق الأدنى
منطقة بني سعد يوجد بها العديد من المواقع الأثرية والمومياوات المحنطة التي لم يتم العبث بها وقد قامت بعثة جامعة بوتيه الفرنسية للآثار التي أجرت أعمال التنقيب والبحث في مستوطنة “الخملوع” القريب من وادي سردود والذي يعود تاريخه إلى ماقبل ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، حيث عثرت البعثة على سن حصان ومواقد للنار وأسنان بشرية وحيوانية وأكدت البعثة أن سن الحصان دل على أنه نوع قديم لايعيش إلا في آسيا الوسطى وأن المنطقة كانت باردة وجافة في السابق على عكس ماهي علية الآن وهو مايفتح المجال لدراسات ستؤدي إلى اكتشافات جديدة على صعيد التغير المناخي في اليمن وقال خبير الآثار بجامعة بوتيه الفرنسية الدكتور “ريبورتوماشاترلي” من خلال القطع التي عثرنا عليها نستدل أن الناس في هذه المنطقة كانوا صيادين وليسوا مزارعين كما تشير إلى وجود علاقات وطيدة بين اليمن والشرق الأدنى وشرق أفريقيا.
وأشار إلى أن الموقع يعد من أقدم المواقع المكتشفة في الجزيرة العربية وأن دراسة التحنيط التي عرفها اليمانيون تعد ثاني حضارات الشرق الأدنى القديم بعد مصر.
تنوع حضاري وتاريخي
يشير العديد من خبراء الآثار بجامعة صنعاء إلى أن اكتشاف المومياوات ليس في نوع محدد من المقابر وإنما وجدت في مقابر صخرية ومقابر كهفية ومقابر المعابد وفي أطراف الوديان كما وجدت في بعض الهضاب المرتفعة والتي كانت تبنى على شكل صندوقي محكم مما يدل على تنوع التراث الحضاري والتاريخي لتلك المناطق التي وجدت فيها مثل هذه المقابر إلا أن أغلبها تعرض للنهب والنبش من قبل مافيا الآثار الذين يبحثون عن اللقى والكنوز الأثرية دون وجود رقيب أو حسيب من جهات الاختصاص.
مومياوات محنطة
محافظة المحويت يوجد فيها العديد من المقابر الصخرية والكهفية وعثر في منطقة الأهجر وبيت منعين وغيرها من المناطق الأثرية والتاريخية بالمحويت على موميات محنطة بدقة عالية تعد بحسب الخبراء في الآثار والتاريخ كثاني اكتشاف لممارسة التحنيط بعد الحضارة الفرعونية وكان البروفيسور “ألن فرومانت” مدير مجموعة متاحف الإنسان بباريس قد زار اليمن في العام 2009م لإجراء دراسة لعدد من المومياوات وأشارت النتائج الأولية لدراسة المومياوات اليمنية إلى اختلاف مقاساتها وأحجامها وتشابهها مع عدد من المومياوات في دول أخرى من حيث الشكل والملامح وأشارت الدراسة إلى أن اليمن من أفضل الدول عالمياً في استخدام طرق التحنيط حيث تحل في المرتبة الثانية بعد مصر ثم تشيلي في المرتبة الثالثة ونوهت الدراسة إلى أن التحنيط في البلدان الثلاثة من أتقن أنواع التحنيط التي كانت تستخدم قديماً على مستوى العالم أجمع وبحسب العالم الفرنسي فإن الطريقة التي استخدمها اليمنيون القدامى في التحنيط هي أنهم كانوا يستخدمون الزبيب ودهن الجمل وبعض أوراق النبات في تحنيط الجثث وأن ممارسة اليمنيين للتحنيط المرجع إلى ماقبل الإسلام بالفي عام.
عقيدة البعث والحساب
أشار الهمداني في كتابه صفة جزيرة العرب إلى التحنيط الشعبي بقوله “إنها نواويس يقبر بها الموتى” وذكر أنه رأى بنفسه في وادي ظهر بمحافظة صنعاء وكشفت بعض الدراسات التي أجريت على الجثث المحنطة المكتشفة بالمحويت إلى تفنن القدماء اليمنيين في تحنيط موتاهم ووصفت الجثث المحنطة بأنها تكفن بملابسها الأصلية وتلبس في العادة حذاءين الحذاء الأصلي وحذاء أفضل من الأول وكأن الحذاء الآخر هو الذي تفرضه مراسم الدفن آنذاك استعداداً للحياة الثانية ويكون كفن الجثث بالجلد المدبوغ ويلف بكتان لفات عديدة وعثر بجانب بعض الجثث على أوان فخارية ورأس رمح وقطعتين من الخشب نقش على إحداهما اسم صاحب المقبرة وكانت وضعية الجثث في إتجاهات مختلفة ويجمعها وضع القرفصاء “مما يشير إلى عقيدة البعث” وبينت الدراسات التحليلية لبعض الجثث في ثلا وأرحب ووعلان والمحويت استخدام نبات “الرا” والذي حشي به تجويف البطن لامتصاص السوائل وربما استخدم عنصر الزنك كمرسب للبروتين وهناك عناصر استخدمت في التحنيط لم يفهم سرها ودلت التحاليل المعملية التي أجريت على خرقة قماش من قماش المومياوات على أن اللون الأحمر للخرق قد تم صنعه باستخدام خليط من مركبات الحديد ومركبات الجيسيوم “كبريتات الجيسيوم” وهي الطريقة المتبعة لدى قدماء المصريين في التحنيط.
أسرار المومياوات
يرى العديد من خبراء الآثار في بلادنا أن كشف أسرار المومياوات المحنطة لازال قاصراً ولم يرتق إلى المستوى المطلوب وأنه حتى اللحظة لم تكلف هيئة الآثار والمتاحف نفسها لكشف هذه الآثار.
وأكد العديد من خبراء الآثار أن الكشف عن أسرار التحنيط يحتاج إلى خبراء دوليين ومتخصصين في هذا المجال حتى يتم كشف المواد المستخدمة في عملية تحنيط الموتى وآليات حفر المقابر الصخرية في قمم الجبال الشاهقة وكيف وصلوا إليها وحفروا تلك المقابر.
منوهين إلى أنه حتى اللحظة لايوجد خبير يمني متخصص في المومياوات ولم يتم حتى ابتعاث أشخاص لدراسة هذا التخصص وأن الكشف عن المومياات والتحنيط لازال ظاهرة إعلامية ليس إلا ولم يتم فعلياً عمل دراسات على المومياوات المكتشفة.
لافتين إلى أن الهيئة العامة للآثار لازالت تتهرب من إيفاد حتى خبراء دوليين لعمل دراسات تحليلية للجثث المحنطة وأن الخبراء الفرنسيين والإيطاليين الذين وفدوا لم يقوموا إلا بالاكتشاف فقط وعمل دراسات نظرية في حين أن مجال دراسة الجثث المحنطة “المومياوات” واسع وعميق ويحتاج إلى إمكانيات وقدرات بشرية متخصصة حتى يستطيع الباحثون التوصل إلى نتائج علمية واقعية تكشف لعشاق الآثار أسرار التحنيط في اليمن وعما إذا كان التحنيط اليمني متقدماً على الفراعنة ومن أين كان يتم جلب أدوات التحنيط؟.

عارف الشماع
الرجم بمحافظة المحويت تمتاز بطيب هوائها وطيبة ناسها تستهوي زائرها وتعشق قاطنيها وتغازل ناظريها وتعزف على أوتار قلوب محبيها، تزخز بالكثير من المعالم الأثرية والتاريخية التي تجعلها محل إعجاب السياح الأوروبيين والأمريكيين والآسيويين الذين غالباً ما يرتادون زيارتها والاستمتاع بمناظرها الطبيعية الخلابة وجمالها الذي يأسر القلوب والأفئدة.. الرجم مدينة لا تعرف الضجر والسأم ، جبالها كأنها حراس ملك عظيم شامخة بأنوفها, تحتضن تلك المدينة الجميلة خوفاً عليها من وقوع مكروه، رحلة إلى مدينة الرجم التي تبعد عن مركز المحافظة بحوالي (16) كم كفيلة بإدخال السعادة إلى القلوب والدهشة إلى العقول.. تاريخها العظيم وتراثها القديم يجعلانك تتأمل في حنايا وزوايا تلك المدينة باحثاً عن المزيد من المعلومات.
المشاهد الأثرية والتاريخية
( صحيفة الجمهورية) أجرت هذا الاستطلاع للتعرف على المعالم الأثرية والتاريخية في هذه المديرية.
مديرية الرجم
( الرجم ) إحدى مديريات محافظة المحويت ومن قرى الرجم السنفة، وهو جبل يعرف قديماً مع جبل الهجرة بجبل شاحذ ، وبه من الآثار القديمة ، والسدود والصهاريج لحفظ مياه الأمطار ما تزال آثارها ظاهرة وصالحة للاستخدام ، وفيها العديد من مشاهير العلماء والمساجد المحلاة بالنقوش المذهبة ، وتزخر الرجم بالكثير من المعالم الأثرية والتاريخية سوف نأتي على وصفها تباعاً حسب أهميتها وهي : حصن الرجم ـ جامع هجرة السنفة ـ مشهد السنفة ـ جامع قيدان ـ جامع هجرة الشاحذية ـ قبة هجرة الشاحذية ـ منحبة ـ حصن الظهار ـ الطرائف ـ المعاينة وغيرها.
حصن الرجم : ( الرجم ) وهو المركز الإداري للمديرية يحتوي على عدد من المباني, منها سور المدينة تقام عليه عدد من الأبراج الدائرية يحيط به عدد من المباني من الناحية الغربية وعلى الناحية الغربية، جامع ( شعول ) وللحصن مسجد آخر يسمى (حمراء) على الجزء الجنوبي من الناحية الغربية جدد مؤخراً ولم يبقَ من معالمه الأثرية سوى الدعامات الخشبية التي تحمل السقف، ويحتل الجزء الجنوبي من الحصن عدد من المباني تسمى (حارة اليهود) وفي الناحية الشرقية يوجد مدفن للحبوب حفر على كتلة صخرية صلبة ، بصفة عامة فإن حالة الحصن سيئة وبحاجة إلى ترميم بعض الأجزاء التي هي على وشك الانهيار.
جامع هجرة السنفة مهدد بطمس هويته
ـ يقع جامع السنفة في مرتفع جبلي مبني بالأحجار ، ويتكون من بيت الصلاة ، ويتقدم واجهته الجنوبية عدد من المرافق التابعة له ، وبالرغم من أهميته من الناحية المعمارية والزخرفية إلا أن الترميمات والإضافات المتلاحقة أدت إلى طمس كثير من معالمه ، ومع ذلك فإن السقف الخشبي لرواق القبلة لا يزال يحتفظ بوضعه الأصلي حيث تزين السقف والأعمدة زخارف نباتية وهندسية ملونة بطريقة الحفر الغائر ، وهي تجسد بحق روعة الفن الإسلامي اليمني، وللمسجد ملحقات ومرافق أخرى، أهمها قاعة في الناحية الشمالية خصصت لتعليم الأطفال القرآن الكريم، بالإضافة إلى بركتين للمياه في الناحية الجنوبية من بيت الصلاة.
مشهد السنفة في بني مصعب (ضريح ولي) ويقع في الناحية الشمالية من جامع السنفة ، ويرجع تاريخه إلى سنة (1060هـ) بحسب النص التأسيسي الذي وجد في اللوح الخشبي ، ويتألف مبناه من مبنى مستطيل الشكل يتوسط ضلعه الجنوبي باب خشبي من مصراعين ، عليه زخارف محزوزة على شكل عقود مدببة ، ويتوسط المشهد عمود حجري اسطواني يحمل عقدين يرتكز عليهما السقف ، كما يتقدم المدخل من الخارج ظلة ( سقيفة ) تفتح على ساحة واسعة مكشوفة تحتوي على عدد من القبور، وفي الجزء الشمالي القريب بركة دائرية الشكل.. وقد كان أهالي المديرية قديماً يرتادون زيارة ذلك الضريح كل عام إلا أنها انقطعت في الآونة الأخيرة .
تحفة معمارية فريدة
جامع قيدان : يقع جامع قيدان إلى الشرق من مركز المديرية على بعد ( 3 كيلو مترات ) تقريباً و يعد هذا المسجد أحد المعالم الأثرية البارزة والمتميزة حيث يرجع تاريخه إلى القرن السادس الهجري ويتكون من بيت الصلاة وعدد من المرافق الأخرى.
بيت الصلاة : عبارة عن بناء مربع الشكل تقريباً يتألف من ثلاثة أروقة، يحف كلاً منها صف من الأعمدة الحجرية تتميز بعلوها، ويرتكز عليها السقف المبني من خشب الساج ، وهو مقسم إلى مربعات محصورة داخل إطارات خشبية بارزة ، ويزين السقف وحدات زخرفية بديعة مكونة من أشكال هندسية وكتابات وزخارف نباتية منفذة بالحفر الغائر والرسم على الخشب باسلوب فني رائع ومهارة عالية.
ويتوسط جدار المحراب عمقه (58سم) ، ويقابل فجوة المحراب على الضلع الجنوبي مدخل يغلق بمصراعين من الخشب ، أما المدخل الغربي فيرتكز على أكتاف حجرية وبجانب الجزء الغربي من الصحن المكشوف بركة مستطيلة الشكل ، ولها من الداخل سلم حجري يؤدي إلى قاع البركة، والمسجد بصورة عامة ثري بالعناصر الزخرفية.
جامع القلعة : (قلعة بيت الرضي)
(جامع بيت الرضي) هو أحد المعالم الأثرية البارزة ، ويتميز بطابع معماري وزخرفي مميز ، ويرجع تاريخ بنائه إلى العقد الثاني من ( القرن السادس الهجري ) حسب ما ورد في النص التأسيسي الذي وجد في سقف المسجد، يقع المسجد ضمن ملحقات قلعة الرضي إلى الشرق من مركز مديرية المحويت على بعد (4 كيلو مترات) ويتكون من بيت للصلاة مستطيلة الشكل ذات جدران سميكة بواسطة أربعة أروقة، يحد كلاً منها صف من الأعمدة يعلوها تيجان تحمل أخشاب السقف تزخرفها وحدات زخرفية جميلة وعناصر نباتية وهندسية ويعلو الواجهات الأربع لبيت الصلاة من الخارج لسقف المسجد عدد من الشرفات المعمارية ذات شكل هرمي مدرج، ومن الكتابات والزخارف التي تزين سقف بلاط المحراب مرسومة بلون أحمر تقرأ :
( وقام .. المسجد الأحلبي حسام الدين وعماد الدين بن بازل غفر الله لهما ولوالديهما ) وبجانبه شريط كتابي آخر: (عمل أحمد بن مسعود بن محمد بن علي) ، وفي الضلع الشرقي بقايا كتابات : (شيد هذا المسجد المبارك .. شجاع الدين بازل) وفيما يتعلق بالنص التأسيسي، فقد كتب بطريقة حساب لجمل ونصه : ( فيها نعيم مقيم ) والتي تقابل سنة (815هـ) وتعتبر قلعة بيت الرضي من أهم المزارات السياحية في المحافظة نظراً لموقعها المتميز المطل على أروع المناظر الطبيعية الخلابة التي تأسر القلوب وتنعش النفوس.
آثار قديمة
الشاحذ ـ سميت ( الشاحذية ) باسم شاحذ بن حديق بن عبدالله بن قادم بن زيد بن عريب بن جسم بن حاشد ، ويحتوي جبل هجرة شاحذ على آثار قديمة وسدود وصهاريج لحفظ المياه النازلة من مياه الأمطار ، وبعض زخارف الجامع محلاة بماء الذهب ، ولعل جامع هجرة الشاحذية واحد من تلك المعالم حيث تتجلى فيه روعة التخطيط المعماري والفن الزخرفي البديع الذي ساد خلال ( القرنين السابع والثامن الهجريين ) ويقع الجامع في الناحية الشمالية الشرقية من هجرة الشاحذية ويتكون من بناء مستطيل الشكل مبني من الأحجار الصلدة مكسوة من الداخل والخارج بالقضاض والجص ، ويتكون بيت الصلاة من أربعة اروقة بواسطة عدة صفوف من أعمدة حجرية اسطوانية الشكل يقوم عليها سقف المسجد من الخشب، يضم جامع الشاحذية عدداً من الحجرات التي كانت مخصصة لتلقي العلم ومساكن للطلاب إضافة إلى عدد من البرك المستخدمة لخزن المياه والمطاهير ، والجامع بشكل عام يتطلب الصيانة والمحافظة على ما تبقى فيه من عناصر معمارية وزخرفية كجزء من التراث الإسلامي الحضاري اليمني.
قبة هجرة الشاحذية
يقع الضريح شمال جامع الشاحذية، وهو من المعالم المشهورة، ويعرف باسم ( ثومان ) وهذا الضريح يضم قبر الإمام العلامة ( الحمزة محمد بن ابراهيم بن محمد بن سليمان) وهو من الناحية المعمارية قاعة مربعة الشكل، طول ضلعها من الداخل ( 5مترات) ومدخلها من الناحية الجنوبية أبعاده (1.40×1 متر) يؤدي اليها وتضم عدداً من القبور، ويغطي السقف قبة مخروطية الشكل مرتفعة ترتكز على رقبة مثمنة الشكل تقوم على مراحل انتقال من حنايا ركبة على هيئة أقواس مزدوجة، أهم ما يلفت الانتباه في هذا المعلم التاريخي هو تلك الزخارف الكتابية والنباتية التي تكسو باطن القبة نفذت بطريقة الرسم بالألوان المائية بأسلوب فني رائع ومتميز بما يعرف بـ( الفريسكو ).
ومن ملحقات القبة حجرتان، واحدة في الجهة الشمالية والأخرى في الجهة الجنوبية، غطيت أسقفها بألواح ودعامات خشبية عليها زخارف نباتية وأشرطة كتابية مؤرخة في سنة (817هجرية)..وأمامها أبيات شعرية وأدعية.
قرية وحصن منحبة
تبعد (71كم) غرب مركز مديرية الرجم ، تقع فوق مرتفع جبلي ، يتم الوصول إليها عن طرق فرعية وعرة المسالك ، وقرية منحبة هي إحدى قرى عزلة الشاحذية ـ بني الذاري ـ حسب ما ورد في بعض المراجع التاريخية.
مكونات الحصن
شيد حصن منحبة فوق صخرة حجرية ضخمة لها منفذ واحد ، من الجهة الجنوبية ، يفتح على ساحة مكشوفة تحتوي عدداً من المباني ، ويكتنفها سور مرتفع زود بالأبراج الدفاعية ( المزاغل والسقاطات الحربية ، وفي الجهة الشرقية للحصن من الخارج موقع المسجد ، وتفتح بوابة من الجهة الشمالية على ساحة مكشوفة تضم عدداً من مدافن الحبوب محفورة في الصخر، ويتقدم الحصن ـ أيضاً ـ من الناحية الشمالية مبان مدمرة، منها خرائب مسجد يسمى( مسجد سبأ ) إضافة إلى بركتين لخزن المياه.
الطرائف : تقع قرية الطرائف على بعد (6 كم) تقريباً عن مركز مديرية الرجم، تتكون من أبنية متعددة الطوابق فوق تل صخري، يطل على وادي ( البير ) الزراعي إلى الشرق من القرية، يتم الوصول اليها عبر طرق جبلية وعرة، سكان هذه القرية هم « بنو مصعب » و« بيت الولي » عزلة الشاحذية.
ومسجد وضريح الولي يقعان في الناحية الغربية للقرية.
الضريح : عبارة عن بقايا حجرة مربعة معتمة إلا أن معالمها مازالت واضحة، تحتوي القبة على محراب مجوف يشبه إلى حد ما محراب الجامع الكبير « شبام كوكبان » ويضم الضريح عدداً من القبور المحفورة في باطن الأرض كانت تعلوها مبانٍ مستطيلة ـ (مصاطب)
مسجد الولي : عبارة عن قاعة مستطيلة الشكل مشيدة بالأحجار الهندسية أبعادها من الداخل (9.70×7.30متراً) ، يتوسط جدارها الشمالي محراب مجوف عمقه (1.80متر) وارتفاعه (2.10متر) ، يرجع تاريخ بنائه إلى سنة 1148(هـ) حسب النص التأسيسي على سقف المسجد ، وتتكون بيت الصلاة من أربعة أروقة بواسطة صفوف من الأعمدة الإسطوانية ذات تيجان مثمنة ، يرتكز عليها سقف خشبي ، ويلاصق بيت الصلاة من الناحية الجنوبية بناء مستطيل الشكل ارتفاعه (80سم) شيد فوق قبر الولي الذي يدعى « أبا أحمد » لايعرف أبناء المنطقة عنه شيئاً إلا أن العادة لزيارته من قبل العروس قبل زفافها بيومين وتأدية الصلاة بجواره داخل المسجد حتى لا تتعرض حياتها الزوجية للشقاء والتعاسة ـ حسب اعتقادهم ـ للمسجد ملحقات أخرى مثل الممرات والبرك والمطاهير ، كما أضيفت إليه تجديدات متلاحقة ، ومع ذلك يتميز بموقعه فوق صخرة حجرية ، وأسلوب عمارته بشكل يتناسب مع موقعه.
معالم تاريخية
« المعاينة » هي قرية صغيرة على بعد (3كم) تقريباً شمال شرق مركز مديرية الرجم ، تقع على سفح جبلي مرتفع يطل على وادي زراعي خصب ، وهي تتبع إدارياً عزلة الجرادي ، أهم معالمها الأثرية ضريح الفقيه ( عبدالرحمن الولي الصديق عمر بن إبراهيم النزيلي ) والمسجد الذي جدده قبل وفاته سنة (1054هـ).
ويتكون المسجد مبنى مستطيل الشكل مبني بأحجار صلدة ذات جدران سميكة تتراوح ما بين (1.00-1.50متر) يتألف بيت الصلاة وعدد من المرافق والملحقات التابعة له ، تشير النصوص الكتابية على سقفه الخشبي أن بيت الصلاة كانت حتى عام (401هـ) تتألف من ستة عقود وأربع دعائم وأن الفقيه (عبدالرحمن الولي الصديق بن عمر النزيلي) قد سعى لتوسيعها في الفترة من (-10413401هــ) حتى صار بشكله الحالي ، كما ورد في النص الكتابي ، ويتكون من بناء مستطيل الشكل ، تطل واجهته الجنوبية على فناء مكشوف ومدخلين ، يتقدم كل منهما ظلة ، وينقسم من الداخل إلى ثلاثة أروقة بواسطة صفين ومن الأعمدة الحجرية اسطوانية الشكل ذات تيجان مثمنة ، يرتكز عليها سقف خشبي ، ومزينة بعناصر زخرفية رائعة ونصوص كتابية بخط النسخ.
تعد هذه النصوص من الوثائق التاريخية الهامة في تاريخ بناء الجامع ومضمون معانيها ، ما توجد نصوص كتابية مدونة في أسقف حجرات بالمسجد مؤرخة في (1334هـ).
ضريح الفقيه عبدالرحمن الولي : تقع قبة المعاينة جوار الضلع الشرقي للمسجد ، وتتكون من حجرة مربعة الشكل تقريباً أبعادها (5×5 مترات) ، شيدت بالأحجار ذات جدران سميكة مطلية من الداخل والخارج بالقضاض والجص ، ويحتل الجزء الجنوبي منها قبر مستطيل ويغطي سقفه قبة نصف كروية ترتكز على حنايا ركنية وأقواس مزدوجة ، والقبة بصورة عامة تعتبر تحفة معمارية رائعة لما تزخر به من زخارف نباتية وهندسية منفذة على الجص ، ومن الناحية التاريحية يوجد نص كتابي بأسلوب الحفر الغائر على العتب الحجري للمدخل يقرأ : (بسم الله الرحمن الرحيم ) محرم سنة( 1047) وهو يعني تاريخ تشييد القبة ـ ضريح الفقيه عبدالرحمن الولي ـ وليس تاريخ وفاة الولي الذي أكد الناظرون على أوقاف مسجده أن لديهم وثائق توضح أن تاريخ وفاته كان عام1054هـ وأن لديهم مؤلفات من كتبه لازالت مخطوطة ، منها كنز الأبرار في معرفة العزيز الغفار ـ وغيرها من المؤلفات التي لم تطبع بعد.
إعتام لوحة عاشق
إعتام تتبع إدارياً عزلة بني الغذيفي من مديرية الرجم ومعنى اعتام كما في المصباح المنير (البغية أو المقصد) إعتام حباها الله بالكثير من الغيول إذ إن غيولها السبعة تجري على مدار العام وتعد إعتام من أفضل المناطق السياحية في الرجم لكن وعورة الطريق تجعل الوافدين إليها أقل عدداً حيث إنها تبعد عن الطريق الإسفلتي حوالي (20) كم وبلفتة كريمة من الصندوق الاجتماعي للتنمية الذي وضع دراسة لرص طريق فرع إعتام لما لها من مزايا سياحية وتشتهر أعتام بزراعات عديدة أهمها البن والقات والفرسك والليمون والبرتقال والرمان والجوافة والقرنبيط (الخرنب).
توجد بها كثير من الأعشاب الطبية النادرة التي يستخدمها أهل الخبرة في مجال الطب وكان عدد من السياح الأوروبيين قد قدموا إليها عدة مرات لغرض جلب أعشاب طبية. إعتام قرية جميلة يوجد داخلها حصن كبير مشهور ويحيط بالحصن سور دائري وفيه عدد تحصينات عسكرية ويقطن داخل الحصن عدة أسر ويوجد داخل الحصن مسجد أثري قبلته إلى القدس ومازال يسمى بالمسجد القدسي.
يفد الكثير من الناس إلى قرية إعتام لجلب أغراس البن سواء كان الوافدون من محافظة المحويت أو المحافظات المجاورة لأن إعتام تشتهر بأغراس البن وشتلاته المختلفة وقديماً قالوا :
كل المغارس من إعتام ومن غرس له غرس
إذ إن أغراس البن التي تجلب من أعتام قوي لايذبل ويقاوم السفر الطويلة.
من غيولها المشهورة الفايش ويعد من أكبرها وهو خاص بسقاية البن والقات وله شبكة كبيرة تمتد إلى جميع الأراضي الزراعية تم توسعته مؤخراً بتمويل حكومي وقد نفذه المقاول «حميد الشرفي» .. حيث يقدم أهالي المنطقة له الشكر على تنفيذه الدقيق وفقاً للتصاميم الهندسية ويوجد بها أيضاً غيل الوحدة وغيل الفلفالي وغيل السنفة وغيل الشعبة وغيل السحر وغيل الفريسة وهذه الغيول لا تعرف الانقطاع.
مأرب برس- استطلاع وتصوير/ أنيس منصور:
على بعد 655 كم تقريبا من مدينة الحوطة بمحافظة لحج وبمسافة سبع ساعات معظمها في طرق وعرة وصعبة, يعيش أبناء وأحفاد "تلّب بن حسن الحميري" أحد ملوك حمير وعددهم بالمئات يقطنون في منطقة تلب يافع لبعوس وتصل إليهم عبر طريق وعرة وتسير فيها سيارات ذات الدفع الرباعي.
وتبدأ طريق وادي تُلَّب من مفرق قلعة المحجبة التاريخية، حيث تتجه بك الطريق شرقا وتسير السيارة بسرعة السلحفاة ويصاب الراكب بالغثيان من شدة وعورة الطريق تتدحرج الإطارات في طرق وادي ذي ناخب في ممرات سيول الأمطار.
وتعد منطقة تُلَّب إحدى المناطق الشهيرة في يافع الحميرية, إذ تقع في الجهة الشرقية لمديرية لبعوس يافع محافظة لحج وتتبع مكتب اليزيدي اليافعي في التقسيم القبلي.
قرية يافعية حميرية جميلة تكسوها الخضرة وتحيط بها المدرجات الزراعية من كافة الجهات، وتتدفق عليها السيول في مواسم الأمطار، ويتميز أبناء تُلَّب بالطيبة والبراءة والكرم، وهي شيمهم, ويندهش الزائر عند مقابلة أبناء تُلَّب من تلك التجاعيد على رؤوسهم ويسيرون حفاة الأقدام.. صحيح أنهم في القرن الواحد والعشرين لكنهم يعيشون القرون الوسطى في هذه المنطقة المعزولة عن العالم تماما, ويحتفظون باللغة الحميرية. لا يتعلمون ويمنعون أولادهم من التعليم. لا يتعالجون, وإذا مرض أحدهم فيعالجوه بالعسل والأعشاب والكي. يتزوجون فيما بينهم البين, والمهر حفظ سورة من صغار السور القرآنية. يرفضون الاختلاط بالمجتمع ومواكبة التطورات غير مقيدين في جداول الانتخابات بل يقاطعون ألانتخابات, ولم تصل لهم لجان التعداد السكاني ولا ينتمون لأي توجه أو حزب سياسي. يقولون إنهم غير راضين عن السلطة التي لم تعدل بين الناس وهم ضد الحوثي والقاعدة والحراك والمشترك. حاولت جماعات سلفية وصوفية وقيادات محلية من حزب الإصلاح استقطابهم, لكنهم رفضوا, والقبيلة أحسن ما عندهم. يعملون في الزراعة ورعي الأغنام وتربية النحل.
يقول الشيخ خضر الحميري إن في عزلة تُلَّب20 ألف شجرة بن، وتعتمد الزراعة بالدرجة الأولى على مياه الأمطار ومن خلال السيول الآتية والمتدفقة من جبل اليزيدي - هربة - جبل ذي كباب - صوان، وهي أسماء لجبال وشعاب تحمل للمزارعين كميات من المياه الغزيرة في موسم الأمطار.
ولا توجد لديهم أي خصومات ومنازعات لكنهم يحملون السلاح ويتأبطون أحزمة مليئة بالرصاص ويمتلكون أسلحة تراثية قديمة وجنابي من النوع المرصع بالذهب والفضة ولا يمكن لهم أن يفارقوا السلاح حتى وقت النوم, كما أنهم يتعاطون القات أحيانا ولديهم طبائع وتصرفات لايمكن البوح بها يسمونها خصوصيات.
ويجمع أحفاد "تلب" ترابط أسري, لكنهم يخفون نساءهم ويمنعونهن من الخروج إلا في حالات اضطرارية كما يقولون, ولا يشاهدون التلفزيون, حتى بث شبكات الهاتف المحمول غير موجود في مناطقهم.
وتجمع عزلة "تلب" عدة قرى, منها: "نبب – دار الصلابة - القرية - ذراع المعلامة - ضرمئة - الدقة - أسفل هربة – أسفل تُلَّب – القرن".
مشاهد غريبة ومذهلة لا يصدقها المرء, رأينا أطفالا وأناسا يعيشون في الألفية الثالثة، لكن بمظاهر وحياة عصور ما قبل الميلاد.. أطفال حفاة الأقدام لا ينتعلون الأحذية، وبرؤوس تغطيها تجاعيد الشعر الطويل غير المصففة، ولغة لسانهم تقول : "ع النية" فلا يزيدون على ذلك إلا بإذن زعيمهم أو رئيسهم الذي يمنحهم الإذن بالكلام أو بالحديث مع أي شخص غريب أتى إليهم, وبالطبع يمنحهم زعيمهم الإذن ليس باللغة العربية، وإنما بلغتهم الحميرية, حيث يرسل لهم إشارة بعينه أو بتقاسيم وجهه فقط، والأخيرة هي السائدة بين حميريي «تُلُّب».
وحين حاولنا الانفراد بأي شخص منهم للحديث معنا، رفضوا التحدث باستثناء كلمة واحدة "ع النية" وتعني كل واحد يمضي في سبيل حاله وعلى نيته, ليظل شيخ المنطقة صالح محسن الحميري هو المتحدث بكل شيء وإن كان من حديث لشخص آخر فيكون بإذن الشيخ.
وفي "تلب" وجدنا أطفالا يحملون السلاح, ويستعرضون أجسامهم, ووجدنا أسماء مميزة كـ"دهشل علوي"، و"تبّع", و"ذي نواس", و"شمر يهرعش", و"ذي القرن"، وغيرهم من الأطفال الذين يفتخرون بأسمائهم وأشكالهم الحميرية, لكنهم محرمون من التعليم والعلم, ويتوارثون عاداتهم جيلا بعد جيل.
يشير مدير مديرية لبعوس يافع سامي العياشي أن هؤلاء معروفون بين المجتمع اليافعي, ولا يشكلون أي خطر سياسي, داعيا الباحثين إلى دراسة حالتهم.
ويعتبر أبناء يافع حمل السلاح جزءا من شخصية الإنسان كبقية المناطق الريفية, لكنه وبالرغم من ذلك, فلا توجد أي جرائم في المنطقة التي تنعم باستقرار وهدء.
- لقد انتزعت هذه المعلومات بصعوبة بالغة من سكان "تلب".
الفريق الإعلامي (مراسل قناة الجزيرة حمدي البكاري, ومصوره محمد السيد - مراسل صحيفة الطريق عادل المدوري - ومراسل مأرب برس أنيس منصور) ودّع أهالي منطقة تلب بن حسن الحميري, وعبق التاريخ يفوح منها راسما لوحة بديعة معلقة في جبل اليزيدي. إنها متحف حي للإنسان اليافعي الحميري, تتجسد فيها أساليب الحياة القديمة والأصيلة ونمط العيش الفريد والعادات والتقاليد والأعراف القبلية العربية والشواهد الحية على تاريخ سرو حمير وحضارتها القديمة.
حُفــاش.. مناظر طبيعية خلابة
وتاريخ يحكي عن حضارة عريقة


قبل حوالي عشرين عاماً كانت حفاش والتي تعتبر إحدى مديريات محافظة المحويت الواقعة في الجهة الغربية تتميز بكثرة أشجار البن والتي بدأت شجرة القات تحاصرها وتقلل من شأنها وكانت ومازالت قضاء مستقلاً حيث إن جبالها الشاهقة المطلة على السهل التهامي عند مشارف وادي سليمان ووادي سردود ووادي الحامضة تشكل منتزهاً طبيعياً يجمع بين عبق الماضي والحاضر.
وبما أن المديرية منطقة جبلية إلا أنه بعد تحقيق الوحدة اليمنية عام 90م شهدت نقلة نوعية، لاسيما في مجال الطرق الأمر الذي سهل الوصول إليها والتمتع بمناظرها الطبيعية وزيارة الأماكن الأثرية والتاريخية حيث يوجد فيها عدة مواقع سياحية مفتوحة وآثار قديمة تدل على الحضارة اليمنية الضاربة جذورها عبر التاريخ والمديرية بشكل عام لوحة فنية فريدة رسمت بأنامل الإبداع الإلهي ومتحف طبيعي مفتوح ويتنوع المناخ فيها بفضل قربها من تهامة والشريط الساحلي ويحد حفاش من الجهة الشرقية مديرية المحويت ومن الشمال مديرية الخبت ومن الجنوب مديرية بني سعد ومديرية باجل بمحافظة الحديدة ومن الجهة الغربية مديرية ملحان ويوجد بالمديرية ثاني أعلى قمة بمحافظة المحويت وهي قمة القفل والتي يُرى منها السهل التهامي في وقت صفاء الجو، لاسيما بعد هطول الأمطار يُرى منها البحر الأحمر وتتميز المديرية بغطاء نباتي متنوع، كما تعد من أكبر مديريات المحافظة المصدرة للبن، إلا أن المديرية في الآونة الأخيرة أضحت تعاني من نقص حاد في ماء الشرب؛ نتيجة لقلة الأمطار ولعدم جدوى مشاريع المياه المنفذة في المديرية والتي صارت لاتغطي احتياج السكان المستفيدين من هذه المشاريع «الجمهورية» أجرت هذا الاستطلاع وخرجت بالحصيلة الآتية: في ظهيرة خميس حزين وفي محاولة للهروب من ضغوطات العمل وضجيج المدينة تركنا مدينة المحويت وهي في أبهة جمالها وأبنيتها الجميلة تغازل أشعة الشمس البنفسجية وتدحرجنا رويداً رويداً عبر الخط الإسفلتي المتجه إلى القناوص وحتى وصلنا إلى منطقة القطاع ثم انعطفنا يميناً إلى الطريق المؤدية إلى المديرية والفرحة تغمرنا وفجأة انذهلنا من وجود طريق إسفلتي يؤدي إلى المديرية والذي بدأ العمل فيه قريباً ونتمنى أن ينفذ الطريق وفق التصاميم الهندسية كون هذا الطريق سيعطي السائح وجهة جديدة للتجول والتمتع في بلاد العربية السعيدة ثم بدأنا الصعود إلى ظهر صالون من الموديل الغابر شيئاً فشيئاً حتى وصلنا إلى واجهة المديرية في أول عزلة من عزلها وهي عزلة بيت الشماع مسقط رأسي ومرتع صباي حيث يوجد في هذه العزلة حصن الصمام التاريخي والذي شيد حسب النص التأسيسي الذي وجد فيه إلى سنة 1175هـ ويقع الحصن فوق تلة جبلية حصينة على صخرة مرتفعة يتم الصعود إليها عن طريق واحد عليه عدد من الدرج الصاعدة المرصوصة ببناء هندسي بديع يؤدي إلى مدخل الحصن الوحيد، ويتكون الحصن من فتحات مستطيلة يحفها من كل جانب عمود حجري اسطواني سميك يرتكز عليها عتب خشبي ويصل المدخل إلى ممر مكشوف يدور حوله الجدار الخارجي للحصن من جميع الجهات ويتكون من ثلاثة طوابق الطابق الأول منه مخازن وغرف استخدمت قديماً للحراسة وحالياً تستخدم كأماكن للأبقار والدواب والدور الثاني والثالث يحتويان على عدد من الحجرات والنوب يستخدمها سكان الحصن القاطنون فيه.
عبث وعدم اهتمام
أهالي هذا الحصن يهربون منه وقت هطول الأمطار خوفاً من البرق حيث وأنه في كل عام يذهب عدد من الضحايا نتيجة البروق والصواعق الغريب أنه لم يتبق من البوابة الرئيسية للحصن سوى فتحه عريضة فاغرة وهناك داخل سور الحصن عدد من البرك الموزعة على جوانب الحصن والتي أصبحت أماكن لوضع القمامات حاولت أنا ورفيقي مدير عام مكتب السياحة بالمحافظة الأستاذ علي عبدالله بهجان إطلاق عدد من مكوكات التخيل والثراء الأثري والتاريخي الذي صنعه أجدادنا القدامى والذي بات يندثر شيئاً فشيئاً حيث إن هذا الحصن لم يسلم من العبث إذ إن الأهالي القاطنين فيه يدخلون تحسينات حديثة دون نظر لقيمة الحصن التاريخية والأثرية الأمر الذي يتوجب على وزارة الثقافة المسارعة إلى الحفاظ على مكونات هذا الحصن الأثري وحمايته من العبث كونه يمثل تاريخاً عريقاً.
معالم الحصن الأثرية
ويوجد في هذا الحصن مسجد شيد على أعلى قمة في ذلك الجبل الذي يقع عليه الحصن لايصل الزائر إلى المسجد إلا عن طريق واحد ويقع المسجد في الضلع الشمالي للحصن ويتألف من بيت للصلاة وأبعاده من الداخل «06،405.3م» ويدور حول أضلاع هذا المسجد شريط زخرفي بارز وزخارف كتابية وهندسية بديعة وأطباق نجمية تكسو السقف الخشبي كما وجد في أحد مصراعي الباب كتابات بخط النسخ تقرأ «شيد هذا الحصن في شهر ربيع الأول سنة «5711هـ» كما يحتوي الحصن على العديد من المعالم التاريخية البديعة حيث يوجد فيه أكثر من سبعة مدافن للحبوب مازالت تحتفظ بطابعها الأثري حتى الآن كما يوجد في عزلة بيت الشماع العديد من المعالم التاريخية منها مسجد المغربة الشمالي ومسجد المغربة الجنوبي وحصن الحجر التاريخي وكذا معالم سياحية هامة.
تراث الماضي وعبق الحاضر
بعدها انطلقنا صوب مدينة الصفقين مركز مديرية حفاش وأحد الشواهد التاريخية الحية ومدينتها الحضرية ووجهها الناصع ذكرت في كتابات مختلفة وهي إحدى أهم المدن السياحية الساحرة و بها قلعة أثرية هامة ومبنى دار الحكومة.
تقع الصفقين فوق تلة جبلية تكسوها الخضرة والجمال الإلهي البديع ويعود تاريخ هذه المدينة إلى عهود ما قبل الأتراك وكانت تستخدم في تلك العصور كمركز للدولة ومازالت مدينة الصفقين تنفرد بطراز معمارها التقليدي القديم وبمبانيها العملاقة وبقلعتها الأثرية التي مازالت مقراً للحكم ويوجد بها العديد من المعالم الأثرية منها «بركة السوق» وهذه البركة مبنية بالقضاض ويزيد عمقها عن «43» ومتراً ومساحتها أكثر من 50متراً طولاً 30متراً عرضاً تخزن المياه طوال العام وتساعد في سد حاجة قليل عن السكان؟
تغنى بهذه المدينة الكثير من الفنانين ونظمت فيها أروع قصائد الشعر الحميني من خلال العديد من الشعراء الشعبيين أمثال «الشاعر مرعي وإدريس والقشبي» وغيرهم ممن مضى على رحيلهم أكثر من قرن ونصف من الزمان وتعتبر أعمالهم الشعرية من أروع الموروثات الأدبية والتراثية على مستوى الساحة الأدبية والثقافية.
السوق ذاكرة وأنفاس
مع ضرورة التعلق بين الإنسان والمكان والتفاعل بينهما تتشكل الأشياء اللافتة والرموز الكثيرة وتعود بك ذاكرتك إلى القدم البعيد وتتبلور في مخيلتك أمور عدة عن هذه المدينة الجميلة لاسيما سوقها؛ الأمر الذي يمنح هذا المكان خصوصيته وجمالياته المميزة من هنا كان السوق القديم يمثل ذاكرة المدينة ورئتها الأساسية التي تتنفس من خلالها منذ أن كنا صغاراً ومازالت روائح البخور والعطور والبهارات التي كانت تملأ السوق عند تسوقي بصحبة والدي وكذا أنفاس هذه المدينة في حسي وفي خاطري ومازالت مذاقات أطعمته «في فمي كلقيمات القاضي والزلابيا والبرعي والملوح» فيما يظل «الحاج محمد شبونه»والمعاينة والجمايم والمسلماني وناجي والعقبي رموزاً مشهورة في هذا السوق.
وقد تميز هذا السوق قديماً بحسن التعامل حيث تظل صورة حسن التعامل بين التاجر والزبون في ذاكرة الآباء وبدورهم يروونها للأبناء فقد كان الزبون يشتري من التاجر على شرط الاستيفاء الميسر الذي تحدده مواسم جني المحاصيل كالبن والحبوب والقات وغيرها ولتاريخ هذه المدينة وموقعها الاستراتيجي الذي يتوسط المديرية فقد انعكس ذلك على المهن الحرفية والفنون التي أبدع أصحابها وقد زاد هذه المدينة الجميلة الرحالة الدانمركي «كارستن نيبور» عام 1761م وقال عنها «بأنها مدينة مسورة من معالمها الأثرية القلعة التي تقع على جبل مرتفع جنوب شرف المدينة وبها مبانٍ يصل ارتفاعها إلى عشرة أمتار ولها بوابة عالياً.
حصون وقلاع
مديرية حفاش غنية بمواقع السياحة والآثار حيث يوجد بها حصن القفل والشايم ومنابر وحصن بني الزحيف وحصن وظافه وقلعة حماطة وقلعة راود وآثار لم يتم الكشف عنها بعد حيث يقال أن جبل الشايم مليء بالآثار القديمة ويتوقع مكتب السياحة بالمحافظة أن يرتفع عدد السياح الأجانب والمحليين والوافدين إلى المديرية بعد إكمال سفلتة طريق القطاع ـ الصفقين والذي سيربط المديرية بالخط الرئيسي للمحافظة .

مديرية الخبت بمحافظة المحويت درة يتيمة تتلألأ بطبيعتها الساحرة وجمالها الحاضر وتراثها الماضي فهي مصيف المحويت لموقعها الجغرافي الواقع بين جبال حفاش وملحان وحجة ومديرية المحويت فهواؤها الطيب يهب من جبال شامخة تخترق السحاب وجوها الساحر وتربتها الخصبة وأهلها الكرام يبعث في النفس لهذه المديرية الكثير والكثير من الحنان والحب والعشق كيف لا وهي بمناخها المعتدل شتاء وصيفاً وبامتلاكها مزارات سياحية ومناطق أثرية وتاريخية مما يؤهلها لأن تكون منطقة جذب سياحي بامتياز..
فهي لوحة عاشق وصل حد الجنون ويظهر جمال هذه اللوحة عند ما يحيط بها الضباب من كل جانب ملتحفاً جبال حفاش وملحان وحجة والمحويت تاركاً الخبت درة يتيمة ظاهرة للعيان تتلألأ في الأفق البعيد، وهي بحاجة لتضافر الجهود بين جميع القطاعات المعنية للاهتمام بالتطوير السياحي وتكريس المفهوم الحضاري للسياحة بتطوير الإمكانات المتاحة وإضافة كل جديد من أجل إحياء وإثراء مواسم السياحة والاصطياف في هذه المديرية الجميلة.
الخبت إحدى مديريات محافظة المحويت يبلغ ارتفاعها عن مستوى سطح البحر «1200» متر يقدر عدد سكان المديرية «64» الفاً و «385» نسمة موزعين على «12» عزلة و «107» تجمعات سكانية، مركز المديرية يسمى «المرواح» تقدر مساحة المديرية بنحو «238»كم2 ويحدها من الشمال مديرية الطور بمحافظة حجة ومن الشرق مديرية المحويت ومن الجنوب مديرية حفاش ومديرية ملحان ومن الغرب مديرية القناوص محافظة الحديدة.. يشتغل معظم سكان هذه المديرية بالزراعة المعتمدة على مياه الأمطار وتزرع فيها محاصيل الذرة الرفيعة والدخن والذرة الشامية وبعض الفواكه والخضار يوجد في هذه المديرية العديد من المواقع السياحية والأثرية، وخاصة في عزل جبع وبني عمارة ونمره وأذرع.
أصالة التاريخ والتراث
اكتسبت مديرية الخبت أهمية تاريخية باعتبارها من مراكز استيطان الإنسان الأولى وبها العديد من الحصون والقلاع الحربية ولعل من أبرز حصونها حصن منابر وحصن مخبان - وحصن الزيكم وحصن الوقيعان «دار ابن عثمان» ومن القلاع قلعة الصافح نمره - أذرع ومن أبرز الأضرحة قبة العلامة مطير وقد شيدت حصون هذه المديرية في العصر الإسلامي على أنقاض تعود للحضار السبئية القديمة وهناك أيضاً قرى جميلة مازالت محتفظة بتراثها وفنها المعماري القديم ومن هذه القرى قرية «شاكر وأذرع وبني عوف» تمتاز إلى جانب أهميتها التاريخية بمناخها المعتدل بحكم موقعها على وادي عيان ووادي سمع ووادي تباب ووادي الذرح بالإضافة إلى إشراف مناطقها على طرق التجارة بين المناطق الساحلية والجبلية وسميت بالخبت لموقعها المنخفض بين الجبال المحيطة بها كجبال حفاش وملحان والمحويت وحجة ولانبساطها بين الجبال والتهايم.
كل تلك المميزات تجعل المديرية غنية بتراثها القديم وتاريخها الماضي بالإضافة إلى وجود الغابات والمحميات الطبيعية لاسيما في وادي الذرح وكذا امتلاكها موروثاً شعبياً فريداً إذا إن أغلب المواقع السياحية بالمديرية مطرزة بأشجار باسقة وغطاء نباتي فريد يشكل لوحة فنية غاية في السحر والجمال.
آثار مطمورة
عزلة بني عمارة تمتلك موروثاً تاريخياً وأثرياً فريداً في المديرية ولعل من أبرز الآثار التاريخية في بني عمارة «مسجد الصافح» الأثري والذي رفع سقفه عام «1025»هـ وقد وجدت هذه العبارة منحوتة في إحدى أخشاب سقف المسجد يزين سقف المسجد قطع خشبية مكتوب عليها آيات قرآنية وهي منقوشة بطريقة فنية رائعة وبأسلوب هندسي بديع يوجد في جدار المسجد من الجهة القبلية لوح صخري منحوت عليه تاريخ الانتهاء من بنائه والذي يعود إلى القرن الحادي عشر الهجري.. ونتيجة لعدم إدراك الناس قيمة هذا المسجد الأثري فقد كسر ذلك اللوح والذي كان يحتوي على التاريخ الحقيقي لتأسيس هذا الجامع.. كما يوجد بالقرب من هذا المسجد «قصبة» يبلغ ارتفاعها حول «70» متراً ليس لها إلا مدخل واحد من الشرق على شكل نافذة صغيرة مستديرة يتم الدخول منها إلى القصبة ويوجد في الداخل سلالم غاية في الروعة والجمال يتم الصعود عليها إلى أعلى القصبة أو البرج ويقول أحد سكان هذه المنطقة إن هذه القصبة أو البرج كانت تستخدم من قبل العثمانيين وكذا الغساسنة لإيصال الإشارات الصوتية القادمة من جبال المحويت وحجة وحفاش وتم توصيلها إلى سهل تهامة عن طريق أبواق مكبرة للصوت لكن مع مرور الزمن وعدم وجود أي اهتمام بالأماكن التاريخية فقد تآكلت وتهدم جزء من هذه القصبة أو البرج.. عند خروجك من هذه القصبة تشاهد العديد من الخنادق بين القصبة والمسجد قد طمس بعضها إلى جانب سراديب أرضية اكتشفت قريباً من قبل أهالي المنطقة إذ إن هذه السراديب مبنية بأحجار ضخمة وتتميز هذه السراديب بطولها واتساعها كماأن هناك احجاراً وضعت كعلامات تشير صوب الشمال.. يقول أحد سكان هذه المنطقة إنه كان يوجد بالاتجاه الشمالي قصر يسمى الغصين الذي يعتقد أنه كان لأحد ملوك الغساسنة الذين سكنوا هذه المنطقة وقد طمست آثار هذا القصر ولم يبق منه إلا أحجار متراكمة ويحيط بهذا القصر من الخارج خندقان أحدهما من الداخل والآخر من الخارج وبساحته بركة عميقة مازالت تستخدم حتى اللحظة وبجواره إسطبل للخيول، وهناك سرادب مازالت مطمورة وتحتاج لمن ينفض الغبار عنها.
نظرة الماضي والتراث الحاضر
تعد الحرف التقليدية مهنة أساسية لبعض سكان هذه المديرية وعلى سبيل المثال قرية أذرع والتي تعتبر مركزاً هاماً لصناعة وصياغة الفضيات والتي مازال أغلب السكان يمارسونها حتى اليوم وأغلب سكان قرى المديرية يعملون في الصناعات الخزفية وحياكة المعاوز والكوافي التي مازالت ميزة يتفاخر بها أهالي هذه المديرية.. كما يوجد في المديرية معاصر للجلجلان ومن أهم هذه المعاصر التي مازالت محتفظة بطابعها القديم معصرة «الرباط» لصاحبها «محمد الرباط» الذي هو مشهور على مستوى محافظة المحويت بإنتاج «سليط الجلجل» كما تتميز هذه المديرية بطابع معماري متنوع ما بين القديم والحديث، كما توجد على حواف الأودية قرى مازالت تستخدم العشش مسكناً لها، وتعتبر مديرية الخبت من أهم المناطق المنتجة للعسل ذات الجودة العالية والذي يتم بيعه محلياً وخارجياً.. ويجدر بنا أن ننوه إلى أهم الغابات في هذه المديرية الجميلة والتي من أهمها غابات وادي الذرح ووادي سمع حيث تنمو فيهما الأشجار الكبيرة، والتي منها الذرح والطنب بالإضافة إلى الغطاء النباتي المطرز بالزهور والأشجار الطبية مما يجعل أسراب النحل تتغذى من أزهار هذه الأشجار إذ إن مديرية الخبت باختلاف انحداراتها وجمالها الذي يسلب العقول ويجعلها قبلة سياحية من الطراز الأول وتحتاج إلى المزيد من الجهود التنموية من أجل إنعاش القطاع السياحي وتطويره والحفاظ على الصناعات الحرفية التي مازالت تمارس بالرغم من التقدم الحضاري والتكنولوجي في شتى مناحي الحياة.
حصن الوقيعان التاريخي
يقع أعلى قمة جبل براش«جبع» بارتفاع«1560» متراً فوق مستوى سطح البحر يبدو للناظر من بعيد وكأنه هرم فرعوني ونظراً لموقعه المتميز فهو يطل على سهل بني قيس وعبس وتهامة وأجزاء من مديريتي حفاش وملحان يقال أنه كان يصل صدى الصوت منه إلى مرتفعات الأشمور في حجة وإلى العرقوب بمديرية المحويت يمتاز هذا الحصن بموقعه الاستراتيجي الذي يؤهله لأن يكون قلعة حصينة يصعب على أي غازٍ الوصول إليها.. أما تاريخ بنائه فلم يتسن لأي أحد تحديده إذ يحكى أن هذا الحصن استخدم في العهد الغابر لدولة الغساسنة أما ما تم الوقوف عليه فهو أن الأتراك استخدموه كمركز حكومة لهم بعد وصولهم إلى المنطقة وتغلبهم على أبنائها.. وعن سبب تسمية هذا الحصن بالوقيعان تقول المصادر التاريخية إنها ترجع إلى سببين هما: وجود حفرتين داخل أسواره استخدمتا قديماً لحفظ الماء وهاتان الحفرتان منحوتتان في الصخر سميتا باللهجة الشعبية وقيع وباعتبارهما حفرتين كل منهما يسمع وقيع فأطلق اسم الوقيعان.
أما السبب الآخر فيعزى السبب إلى حدوث معركتين حاسمتين بين السادة العلويين حكام المنطقة والأتراك وقصة هاتين المعركتين تبدأ منذ أن التقى الأتراك العثمانيون مع أبناء المنطقة السادة العلويين في جبل منابر في الشعافل وكانت الهزائم من نصيب أبناء المنطقة في الشعافل وقلعة مخبان الأثرية فلجأ أبناء المنطقة إلى حصن الوقيعان الواقع في أعلى قمة جبل براش، لكن الأتراك كان لديهم جواسيس أدخلوهم من المنافذ السرية للحصن وعاجلوا أبناء المنطقة بضربات مؤلمة ولّوا على إثرها هاربين وهزم الأتراك أبناء المنطقة هزيمة نكراء إثر واقعتين كبيرتين ثم استولى الأتراك على هذا الحصن بما فيه ودمروا القرى المجاورة له ومن هذه القرى قرية«ألمع ذي طلاس» وتسمى المعطلص حالياً وأبادوا أهلها واقتادوا بعضهم أسرى حرب إلى اسطنبول وعلى رأسهم زعيمهم ابن العباس وحصن الوقيعان منيع جداً من ثلاث جهات وتحيط بالحصن مزارع ويتكون الحصن من عدة طوابق تحيط به خنادق وتحيط به أيضاً أسوار ثلاثة عريضة يصل ارتفاعها إلى سبعة أمتار ويوجد به غرف أرضية استخدمت كغرف للحرس وسجن ومخازن للغلال واستخدم لمدة«25» عاماً للشيخ أحمد عثمان الحكيمي.
برك الحد
تقع هذه البرك ما بين مديرية الخبت ومديرية حفاش وسميت بهذا الاسم لأنها تقع في نهاية حدود عزلة عبس بالخبت وبداية عزلة حماطة بمديرية حفاش وهذه البرك مبنية بأحجار مستطيلة ببناء هندسي بديع يدل على عمق الحضارة اليمنية القديمة ويبلغ عمق هذه البرك أكثر من«20» متراً وهي مطلية بمادة القضاض الذي كان يستخدم قديماً كمادة مانعة لتسرب المياه فهو مثل الاسمنت حالياً ويوجد في جدران البرك نقوشات وكتابات بديعة وسقف البرك مغطى بالحجارة حيث لا يوجد إلا فوهة لإنزال الدلو وكان الأوائل يغطون البرك خوفاً من وقوع الأطفال وغير القادرين على السباحة في الماء فيموتون فكانوا يحرصون على التغطية ومنطقة «الحد» صارت اليوم سوقاً كبيراً لعزلتي عبس بمديرية الخبت وعزلة حماطة بمديرية حفاش يبتاعون فيها كل السلع الغذائية والمصنوعات الحرفية والخضروات وغيرها.
قبة مطير
من قرى مديرية الخبت قرية الحضن تمتاز هذه القرية بالمباني القديمة المتلاصقة ببعضها البعض وكأنها حصن منيع وبها العديد من الأبواب والشبابيك التي مازالت محتفظة بطابعها المعماري القديم ومما يلفت النظر هو وجود غرفة مربعة الشكل تعلوها قبة كبيرة مبنية بناء هندسياً فريداً بيضاوية الشكل من الخارج مطرزة من الداخل بنقوش أثرية وأطباق نجمية ونباتية يطلق على هذه القبة «قبة مطير» أحد العلماء الصالحين يقال أنه كان مفتي قضاء المحويت تتلمذ على يده عدد من العلماء.. كما يوجد في القرية بركتان للماء إحداهما في شمال القرية والأخرى في الغرب تسمى الأولى بركة أحمد نسبة إلى الذي حفرها وشيدها والأخرى بركة المعرد نسبة إلى المنطقة الواقعة فيها، كما تتميز هذه القرية بالحفاظ على صناعة الخزف والكوافي وسُفر الأكل المصنوعة من سعف النخل، وكذا صناعة المقالي والأدوات الفخارية من مادة الطين.

نبيل اليوسفي
المدن الأثرية كالنساء الفاتنات إن لبسهن الإهمال ذوين كالورد فتسفّهن الريح في مسافات الزمان سفاً، وإن حظين بالاهتمام تزهر في ملامحهن النضارة والبهاء والتجدد على امتداد الوقت اللانهائي.. وعسيلان شبوة عجيبة تاريخية تذبح على محاربها الأفراح، وتصيح على دويلاتها القديمة البوم المرعبة.
حضارة تموت
شر المصائب رؤية تاريخ وحضارة يموتان بلا تحريك لساكن، وشر الشرور بيع آثارنا لمن لا يستحقها، أو لمن لا تاريخ له، وتتكرر المآسي الذميمة كالآثام كل يوم وكل ساعة، فيما تتحول المدن العامرة بالمعجزات العتيقة إلى بلاقع مهجورة ترقص فيها ذرات الرمال الحبلى بحكايات الماضي السحيق، وتستشعر المأساة التاريخية والأثرية في نفش وتجسير وتحطيم وتكسير ومتاجرة في الهواء الطلق، تتبعها صفقات بائرة، وأحجار مسندية تنقل أنابيب نفطية وغازية عمياء تلتهم في طريقها الواسع الماضي والمستقبل،وتجتث التاريخ من جذوره.
قصر الشريف
ظلام في الصباح، وهمة ملحاحة تدفعنا إلى زيارة هجر كحلان .. كانت النقوب تنام على فراش من نسيج الصحراء، وأغنام وشياه تركض في الجفاف باحثة عن طعام، فيما يرسل قصر الشريف حسين أناته المكلومة عبر الأثير الشفاف، وإبداعاته الجبارة في نزعاتها الأخيرة تحتضر موشكة اللحاق بالبركة والبوابة والسور والمخازن، ويلتف البصر حول القصر، ثم ما لبث الفضول أن قادني إلى الداخل، فانتصب الحزن كوحش أسطوري، لنوافذ وأبواب مسكرة، وسقوف أدوار عُليا سقطت، بعضها منحوت جنابي عملاقة، وقططاً وطيوراً غريبة، وسيوفاً ومزهريات وآيات قرآنية، وأمثالاً وحكماً انمحى معظمها، وتبقى القباب الأربع الفسيفسائية البطانة روح القصر وقلبه النابض بالحياة، رغم نوافذها الصنوبرية المكسرة، وتتدافع الخطوات الحذرة في غرف القصر الثلاثين، وخزانة الشاهق الهندسي البديع، ومع كل وقع قدم ترتفع صرخات الراحل صالح قويرح المشرف على بناة القصر من آل العرماء بمحافظة البيضاء، وتظل الأنامل الحضرمية الفنانة شاهدة على البناء والنقش والتصميم آلاف الأزمان.
جهلنا هو السبب
المدى قوافل غبار، والأطلال المندثرة تتوارى خجلاً لتشوهاتها، فلا مكتب السياحة بالمحافظة حافظ عليها، ولا الهيئة العامة للمتاحف والآثار استطاعت بإمكانياتها الشحيحة حمايتها، وتنبثق المتناقضات الغريبة لثأر بلا آثار، ونفط وغاز لايدري مصيره أبناء المنطقة المحرومون من بعض المشاريع الحيوية.
يقول عوض حويلة الأمين العام للمجلس المحلي بمديرية عسيلان: نحن سبب أنفسنا، وذهب إلى أن المواطنين لم يعوا مصالحهم الحقيقية حتى اللحظة، وأن كثيراً من المشاريع الهامة قد أجهضت لذات السبب، وأطلق تنهيدة وهو يردد احتياجات المديرية بلا توقف، بدت من ورائها ومضات الأمل، في حياة لا تسمع أو تتصامّ من يناديها.
تاريخ مرمي
القرى متناثرة كالدمى ببشرتها الرملية، والسيارة السريعة تشق بنا الهواء الساخن، وسفن الصحراء تبحث عن مرعى .. كان الطريق إلى هجر كحلان نصف معبد، وكان دليلي ناجي عيظة شماخ مدير مكتب الثقافة بمديرية عسيلان يسرد لي حديث المدينة، وأمام بوابة الهجر الغربية سقط القلب الحزين في حفرة من دم.. أحجار ضخمة يصل وزنها إلى طنين مرمية بإهمال، وعلى حدودها كتابات مسندية تكاد الرمال المتحركة أن تبتلعها، وأحجار أخرى أكبر حجماً على البوابة كسرت الأيادي العابثة معظم حروفها، ويصل إلى مسامعي حديث ناجي وهو يقول : تاريخنا وأدناه بأيدينا، ونظراته الباكية تتابع بكمد الجثث الصخرية المتفسخة، وعلى مملكة قتبان حططنا رحالنا.. كانت الأعمدة الأحد عشر الشبيهة بأعمدة معبد أوام في مأرب ممدودة بإهمال كالموتى، ومقابر منبوشة والأحجار الكريمة محطمة عن عمد، والعبث بالخطوط القديمة يمتد حتى إلى مسلة السوق العملاقة، وغمغمات العابرين عبر الزمن الأول، وتتصعد الزفرات والأنات عند البرك المحطمة والمعابد المهدمة، والتاريخ المسروق المنصوب،واللبان والبخور، والقوانين الصارمة المتلاشية بحمى الأيادي العابثة.
ثأر بلا آثار
تساءلت عن جمعية تحمي الآثار ومملكة قتبان بالذات، لكن الرد جاء بأن الناس مهتمون بالثأر أكثر من الآثار، وتمثلت في أفق خيالي صور الرجال المتمنطقين بنادقهم،والذين صادفتهم في سوق المدينة،تلك المدينة العسيلانية الشبيهة بصفحة كتاب قديم، وكأن آلة الزمن قد نقلتني إلى القرون الجاهلية المظلمة..
أثواب بيضاء وكلاشينكوفات وجنابي تمتطي الأطفال العجائز، واقتتال على أتفه الأسباب، حتى هُجر التعليم وطال السفر، والأظافر والحقد في ظل أعراف وقوانين تساقطت هيبتها.
يقول الأستاذ حسين الشريف:
الثأر سرب معظم الطلاب الأذكياء من المدارس، وجهودنا التوعوية وحدها لاتكفي، ودار شريطه المتقطع في تلافيف حسراتي، بينما رحت أبحلق في وجه المدينة الكئيب،وأنا أدعو الله أن يجنب الجميع من شبح الثأر، وأن يحفظ وطننا من كل سوء ومكروه.
قبة الظهيرة
السماء قبة من ظهيرة حارقة، والظمأ يحتل الأفواه والأشجار والثرى،وثلاثة من آبار السبيل في لهثاتها الأخيرة، فيما وادي بيحان يحتضر، وأدقق البصر في عسيلان والنقوب والحمراء والحنو وسعدة وهجر كحلان وهجر آل شيخ والصحراء وخالدة وقلعة الخير والسوقه العسلية وسوق النقوب وسوق عسيلان، جف ريقي على مدينة رابضة فوق محيط من النفط لا تجد فيها شربة ماء عذبة.





