ابن سبـاء
مدونة تهتم بحضارة وتاريخ و تراث اليمن
تاريخ البخــور اليمني

كان الصينيون يقايضون به لقاء حريرهم المحتكر

وكان الرومان يبادلون به بأرقى وأغلى بضائعهم

تاريخ البخــور اليمني

 

بــديـع ســلـطـان

عبر العصور لم تكن اليمن مجرد هامش على جدار الحضارات القديمة المتعاقبة .. بل كانت عملاقاً يضج نفوذاً وسيطرة وحضوراً مؤثراً على الساحة الدولية القديمة ، ولم يكن اسم اليمن يذكر في أسفار الأمم الغابرة والحضارات المندثرة إلا ومعاني السعادة والاخضرار الملتصقة باسم اليمن تتقافز كلما أتى ذكر هذا البلد ، حتى أمست تلك المعاني حكراً على اسم وحيد لا يتجاوز الحروف الثلاثة ( يمن ) .

يشهد على ما ذهبت إليه أن هذا اليمن سطر ذكره في مؤلفات الإغريق ، وإبداعات الفراعنة ، والسوابق الأدبية للصينيين القدماء ، فتارة كان اليمن يقترن بالعادة كما عند الإغريق اليونانيين ( العربية السعيدة ) ، وتارة أخرى كان يتصل اسمه بالخضرة التي كانت تميز بلادنا في إحدى حقب السنين السالفة ( اليمن الخضراء ) كما عند قدماء المصريين ، أما الصينيون الأوائل فكانوا يربطون الاسم اليماني بطريق شهير ، بلغت شهرته الآفاق وارتبط بأغلى كنز كان أولئك الصينيون يصدروه إلى كل دول العالم ويحتكروا تجارته ( طريق الحرير ) ، الذي كانت له علاقة قوية بـ( طريق البخور)  وتجارته التي كان اليمن يقايض به الحرير الصيني الشهير ، ولذا فقد كانت اليمن عند الصينيين تدعى بـ ( بلد البخور ) ... وهذا ما نسعى إليه منذ الكلمة الأولى لما بين أيدينا .

انـقـراض الـنـفـوذ

في الحقيقة إن المهنة التي سنتناولها اليوم مهنة لا تزال على قيد الحياة ، وربما قد يكون الانقراض شبح أو كابوس يتجول بعيداً عن مهنة كهذه تمارس في البيوت اليمنية تحديداً والخليجية عموماً إلى اليوم ... إلا أن ما دعانا لتناولها هو الإنحدار الظاهر في العناية بمهنة اقترنت بشهرة اليمن منذ الأضواء الأولى لفجر التاريخ ، حتى صارت اليمن لا تذكر إلا ويذكر معها بخورها وطيبها الذي لا ينافس .

بل إن المناطق المجاورة لليمن والتي عرفته بعد أن عرفته اليمن بقرون تنسب اليوم صناعة البخور إليها دون أن تلتفت إلى الحقيقة التاريخية التي آمن بها الصينيون الأوائل الذين سلموا بنفوذ اليمن على طرق وقوافل وتجارة البخور منذ الأزل ، وبدلاً من رد الجميل التاريخي لبلاد عرفت أنواع الطيب والبخور قبل أن تعرفه أعتى الحضارات والأمم وصدرته للعالم حدث العكس وانقرض نفوذ البخور اليماني ، كما انقرض قديماً طرق البخور والحرير البري ، وبات البخور ينسب إلى من تعلموا صنعته من المعلمين اليمنيين الأوائل .

فالانقراض الذي نقصده هو انقراض نفوذ لا انقراض مهنة مازالت تمارس حتى اللحظة في البيوتات اليمنية ، ومازال يتواجد في الليالي الرومانسية ، والأفراح والأعراس والجلسات العاطفية .

الأرض ااـمـقـدسـة 

كما قلنا سلفاً فاقت شهرة البخور اليمني الآفاق ، ولم يكن في يوم أقل قدراً من أندر وأغلى البضائع التي تروج عالمياً منذ القدم ، فكان الصينيون يقايضون به لقاء حريرهم المحتكر ، وكان الرومان يبادلون به بأرقى واغلى بضائعهم ، وهكذا المصريون والفرس وأكبر الحضارات التي كانت تتزود من أرضنا بعطر مقدس يستخدم في حضارات كالفارسية والفرعونية والإغريقية في تطييب المعابد والكنائس وقبور الملوك والعظماء .

ولهذا السبب فقد ارتبطت صفة التقديس بالبخور اليمني وبالأرض التي تصدره للعالم ، فأمست اليمن الأرض المقدسة كما سماها المصريون القدماء، وكلنا على علم بما يكنه الفراعنة من تقديس لملوكهم ، وتعلقهم بالحياة ومعاني الخلود بعد الموت ، فكانوا يرفقون في قبور موتاهم من العظماء أنواعاً من الطيب والعطور كان البخور اليمني حاضراً فيها ويجاور أعظم ملوك أرض الكنانة كخوفو ومنقرع وغيرهم كثيرين .

شــهــرة عـالـمـية

البخور اليمني كالبن اليمني والعسل اليمني والحلوى اليمنية التي ليس لها مثيل ، ويتمتعون جميعاً بسمعة عالمية لا تغادر المسافرين من أو إلى أرض العربية السعيدة المحملين بالتوصيات الأسرية والعائلية بضرورة أن تتواجد إحداها في قائمة الهدايا المجلوبة منها ... وهناك عديد مناطق في اليمن تتميز بطبخات نادرة ونوعية من البخور اليمني وأهم تلك المناطق ـ كما تثبت ذلك التجارب ـ هو البخور العدني الذي بحسب المتعاملين به وطباخيه فإنه لا يقارن وليس له مثيل على مستوى الجزيرة والخليج .

ولمعرفة كيفية طباخة أو ( صناعة البخور ) ندعوكم لجولة سريعة داخل إحدى البيوت العدنية لنعرف كيف يخلق البخور .         

 صــناعـة البخــور

تمر صناعة البخور بثلاث خطوات رئيسية كالتالي :

أولاً : شراء المواد الأولية :

شراء العطر الدهني المناسب :

وتوجد الخيارات التالية :

- شراء ما يسمى بـ ( عطر البخور ) وهو عطر خاص بالبخور.

- أو إذا رغب الشخص في أن يكون العطر برائحة معينة ، يمكنه خلط أنواع من البخور مثل الورد والزعفران و العود المخفف والمشموم والصندل .. الخ ، وإذا رغب الشخص في أن تكون رائحة البخور قوية ، يمكنه إضافة عطر فرنسي اسمه ( فيجي ).

شراء بودرة العود :

- وتسمى في السوق بـ “ دكة البخور “ وهي مادة خشبية يتم تصنيع البخور منها وتكون ناعمة أو شبه ناعمة . ولابد التأكد من نعومتها بسؤال البائع لأنها تؤثر على رائحة البخور إذا كانت هذه المادة سيئة . وكمية الشراء تكون 4-6 مرات من كمية العطر ، فمثلاً عند شراء 10 تولات من عطر البخور، فيكفي عندها شراء 40-60 تولة من دكة البخور .

- شراء طين المادة العطرية : وتسمى في السوق بقطع الـ “ العنبر “ وهي مادة عطرية على هيئة الطين لونها أسـود .

ثانياً : طريقة التحضير :

1. تذويب قطع العنبر لتصل إلى درجة من الليونة بحيث يسهل استخدامها عند الخلط ...

2. تكون عملية الخلط شيئاً فشيئاً ، حيث نضع كمية بسيطة من الدكة ثم نسكب عليها كمية بسيطة من العطر وكمية بسيطة من العنبر المذاب ويتم خلطه ودعكه جيداً لضمان وصول العطر إلى كافة أجزاء الدكة ( البودرة الخشبية )...

3. نكرر العملية السابقة إلى ان ننتهي من خلط جميع كمية العطر والدكة ، وللتأكد من تشبع العطر في الدكة ، يمكن أخذ عينة بسيطة من الخلطة وحرقها ومن خلال الشم تتضح الرائحة عما إذا كانت رائحة خشب محترق، أو رائحة بخور ، وعلى ضوء النتيجة يمكن إضافة مزيد من العطر أو لا نضيف.

تعبئة البخور :

بعد إتمام التحضير ( الخلطة في شكل بودرة ) يكون البخور جاهزاً للتعبئة ، إما في علب خاصة أو في أكياس من القصدير الخاص .

 نـفـوذ لا يـزال

دائما ما نرى دولاً وحضارات تزدهر ثم سرعان ما تنحط وتنقرض إلا أن أهم ما يميز تلك الدولة يبقى محافظاً على ذاته ، ولا يعدو الانحطاط عن كونه سياسياً فحسب ، فإذا كنا قد خسرنا مكانتنا العالمية من خلال نفوذنا الزائل على طرق التجارة العالمية جراء النفوذ السياسي الذي كانت عليه اليمن قديماً فلا أقل من المحافظة على ما يبقي شهرتنا واسمنا متوهجاً وباقياً عند الآخرين .

وشخصياً أرى بأن هذه المهمة لا تقوم بها حالياً ـ فيما يخص البخور ـ سوى البيوت القليلة المستمرة في مهنة الأجداد التي صنعت شهرتنا واسمنا ، والأمر سيان فيما يتعلق بالبن اليمني أو العسل وغيرهما من السلع والبضائع التي نتميز بها ، وليس تلك البضائع أو المحاصيل التي تضر بتاريخنا وحضارتنا كالقات وخلافه .

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية